كيف تتعامل الأسرة مع الإدمان؟ الدعم النفسي وحدود المساعدة
تحتاج كيفية التعامل مع مدمن داخل الأسرة إلى التوازن بين دعم الشخص وتشجيعه على العلاج، وحماية بقية أفراد الأسرة من الضغوط النفسية والمادية. تعرّف إلى أساليب المساندة الفعالة، وكيفية وضع حدود واضحة دون التخلي عن الشخص الذي يعاني من الإدمان.


محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.
يمتد تأثير الإدمان المرتبط بتعاطي المواد إلى حياة الشخص وأسرته، فقد يصاحبه قلق بشأن صحته وسلامته، وخلافات حول المال والمسئوليات، وتراجع الثقة بين أفراد الأسرة، وقد يدفع الخوف الأسرة إلى إخفاء عواقب التعاطي أو تحمّل مسئوليات الشخص باستمرار، رغم أن هذه المحاولات لا تضمن تعافيه.
يحتاج التعامل مع الإدمان إلى فهم طبيعة المشكلة، وتشجيع الشخص على طلب العلاج، ومعرفة حدود دور الأسرة، وقد يكون طلب المساعدة النفسية خطوة مهمة لفهم الاحتياجات النفسية وتحديد نوع المساندة المناسبة، إلى جانب التقييم الطبي المتخصص لاضطرابات تعاطي المواد.
كيف يؤثر الإدمان في الأسرة؟
قد يؤثر الإدمان في الاستقرار النفسي والمادي للأسرة، خاصة مع تكرار الأزمات أو عدم وضوح ما يمكن توقعه من الشخص، وقد يشعر المقربون بالغضب أو الخجل أو الذنب، أو يحمّلون أنفسهم مسئولية سلوكه، كما قد تتراجع ثقتهم في وعوده بعد تكرار الانتكاس أو عدم الالتزام بالعلاج.
وقد يتأثر الأطفال عندما يعيشون في أجواء يسودها الخوف أو النزاع أو عدم الاستقرار، ويحتاجون إلى رعاية تناسب أعمارهم، وطمأنتهم بأنهم ليسوا مسئولين عن مشكلة الشخص البالغ، وحمايتهم من المواقف التي تهدد سلامتهم.
ولا يعني وجود الإدمان أن الأسرة تسببت فيه، كما أن دعمها لا يضمن التعافي وحده، فاضطرابات تعاطي المواد مشكلات صحية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة، ويحتاج علاجها إلى تقييم وخطة تناسب حالة الشخص.
كيف تدعم الأسرة شخصًا يعاني من الإدمان؟
يمكن للأسرة أن تدعم الشخص الذي يعاني من الإدمان من خلال التالي:
اختيار وقت مناسب للحوار
يفضل التحدث عندما يكون الشخص واعيًا وقادرًا على الاستماع، بعيدًا عن لحظات التعاطي أو التصعيد، يمكن التعبير عن القلق بأمثلة واضحة، مثل تأثير التعاطي في الصحة أو العمل أو الالتزامات الأسرية، بدلاً من الاتهامات أو الأوصاف المهينة.
يمكن للأسرة أن تقول: «أنا قلق على صحتك، ومستعد أساعدك في البحث عن علاج مناسب»، ومن المهم الاستماع إلى مخاوف الشخص وأسئلته، فقد يحتاج إلى أكثر من حوار قبل أن يقبل طلب المساعدة.
تشجيعه على العلاج
يمكن مساعدة الشخص في البحث عن طبيب أو مركز متخصص، أو ترتيب موعد، أو مرافقته إذا رغب في ذلك، ويعتمد العلاج على نوع المادة المستخدمة والحالة الصحية والنفسية واحتياجات الشخص، وقد يتضمن تدخلات طبية أو نفسية أو برامج تأهيل ومتابعة.
إذا رفض الشخص العلاج، يمكن إعادة طرح الأمر بهدوء في وقت آخر، مع توضيح المخاوف والحدود التي ستلتزم بها الأسرة، وقد تزيد الإهانة والتهديد والمواجهة الجماعية التوتر وتدفعه إلى الانسحاب من الحوار.
التمييز بين المساندة والتستر على العواقب
تستطيع الأسرة مساندة الشخص في الوصول إلى العلاج، مع تجنب إعطائه المال إذا كان يُستخدَم في التعاطي، أو الكذب لتغطية الغياب، أو تحمُّل الديون المتكررة الناتجة عن سلوكه، أو تبرير التصرفات المؤذية أمام الآخرين.
لا تهدف هذه الحدود إلى العقاب أو الانتقام، وإنما إلى حماية الأسرة وعدم تسهيل استمرار السلوك الضار، ويمكن توضيح ما تستطيع الأسرة تقديمه وما لا تستطيع تحمّله، مع الالتزام بما تقوله دون تهديدات متكررة.

كيف تضع الأسرة حدودًا تحمي أفرادها؟
تختلف الحدود المناسبة باختلاف الظروف ودرجة الخطورة، وقد تشمل تنظيم المساعدات المالية، ورفض العنف أو التهديد، وحماية الممتلكات، وعدم تعريض أفراد الأسرة لمواد مخدرة أو مواقف غير آمنة، وعدم ترك الأطفال في رعاية شخص غير قادر على الاعتناء بهم بأمان.
ومن المهم ألا تتحول الحدود إلى وسيلة للسيطرة على كل تفاصيل حياة الشخص، أو إلى حرمانه من الاحتياجات الأساسية بقصد الضغط عليه، يمكن للأسرة الاستمرار في دعم العلاج مع رفض السلوك الذي يهدد سلامتها أو يستنزف مواردها.
إذا كان الشخص يعيش مع الأسرة، فمن المفيد الاتفاق بين أفرادها على قواعد واضحة ومتسقة، بدلاً من أن يضع كل فرد شروطًا مختلفة أو يتراجع عنها تحت ضغط الخوف والشعور بالذنب.
ولا ينبغي للأسرة محاولة إدارة أعراض الانسحاب في المنزل دون إشراف طبي، فقد يؤدي التوقف المفاجئ عن الكحول بعد تعاطٍ كثيف أو طويل، أو عن بعض الأدوية المهدئة بعد استخدامها بانتظام، إلى أعراض انسحاب خطيرة تستلزم تقييمًا طبيًا، وعند فقدان الوعي أو صعوبة التنفس أو ظهور خطر مباشر على الشخص أو غيره، يجب طلب خدمات الطوارئ المحلية فورًا.
كيف تحمي الأسرة صحتها النفسية؟
قد يؤدي التركيز المستمر على الشخص الذي يعاني من الإدمان إلى إهمال احتياجات بقية أفراد الأسرة، لذا من المهم الحفاظ قدر الإمكان على النوم والعمل والعلاقات الاجتماعية والأنشطة اليومية، وطلب المساندة من أشخاص موثوقين.
يمكن أن يستفيد أفراد الأسرة من الاستشارات النفسية أو العلاج الأسري أو مجموعات الدعم المخصصة للمقربين من الأشخاص الذين يعانون من الإدمان، وقد تساعد هذه الخيارات على فهم المشكلة، والتعامل مع مشاعر الغضب والخوف، وتطوير طرق أكثر أمانًا للمساندة.
ويستحسن الاهتمام بالأطفال ومتابعة أي تغير مستمر في سلوكهم أو نومهم أو أدائهم الدراسي، مع الاستعانة بمختص عند الحاجة، ولا ينبغي تكليفهم بمراقبة الشخص أو منع تعاطيه أو الحفاظ على استقرار الأسرة.
متى تحتاج الأسرة إلى مساعدة متخصصة؟
يُفضَّل طلب المشورة المتخصصة عندما يتكرر التعاطي رغم عواقبه، أو يؤثر في الصحة والعمل والعلاقات، أو تعجز الأسرة عن تشجيع الشخص على العلاج دون تصعيد، وقد تكون الاستشارة الأسرية مفيدة حتى إذا رفض الشخص المعني حضور الجلسات، لأن أفراد الأسرة يستطيعون الحصول على إرشادات تساعدهم في التعامل مع الوضع وحماية أنفسهم.
أما عند وجود عنف أو تهديد أو خطر على الأطفال، فتأتي السلامة أولاً، وقد يتطلب الأمر الابتعاد عن الموقف والاستعانة بالجهات المختصة، ولا ينبغي انتظار موافقة الشخص على العلاج قبل اتخحيث خطوات ضرورية لحماية بقية أفراد الأسرة.
قد يستغرق التعافي وقتًا، وقد تحدث انتكاسات خلاله، ولا تعني الانتكاسة بالضرورة فشل العلاج، لكنها تستدعي التواصل مع الفريق المعالج لتقييم أسبابها ومراجعة الخطة العلاجية عند الحاجة، تستطيع الأسرة تشجيع الالتزام بالعلاج وتقدير التقدم الواقعي، مع الحفاظ على حدودها وعدم اعتبار نفسها مسئولة وحدها عن النتيجة.
الأسئلة الشائعة
هل يمكن للأسرة مساعدة الشخص على التعافي من الإدمان؟
نعم، قد تساعد المساندة الأسرية في تشجيع الشخص على طلب العلاج والاستمرار فيه، خاصة عندما تقوم على التواصل الهادئ والحدود الواضحة، لكنها لا تحل محل التقييم والعلاج المتخصصين.
ماذا تفعل الأسرة إذا رفض الشخص العلاج؟
يمكنها التحدث معه في وقت مناسب، وشرح مخاوفها، وعرض المساعدة في البحث عن خيارات علاجية، ثم إعادة فتح الحوار لاحقًا، وفي الوقت نفسه، تستطيع وضع حدود تحمي سلامتها ومواردها دون اللجوء إلى تهديدات لا يمكن الالتزام بها.
هل يجب أن تتحمل الأسرة ديون الشخص الذي يعاني من الإدمان؟
لا يلزم أن تتحمل الأسرة جميع الديون أو العواقب المالية، يمكنها تقييم قدرتها وظروفها، وتجنب تقديم أموال قد تُستخدم في التعاطي، والاستعانة بمشورة مالية أو قانونية مناسبة عند الحاجة.
كيف تحمي الأسرة الأطفال أثناء تعافي أحد أفرادها؟
ينبغي الحفاظ على روتين يومي مستقر قدر الإمكان، وإبعاد الأطفال عن العنف أو التعاطي والمواقف غير الآمنة، وعدم تكليفهم بمراقبة الشخص أو حل المشكلة، وإذا ظهرت عليهم تغيرات نفسية أو سلوكية مستمرة، فقد يحتاجون إلى تقييم متخصص.

المراجع
McCrady, B. S., & Flanagan, J. C. (2021). The role of the family in alcohol use disorder recovery for adults. Alcohol Research: Current Reviews, 41(1), Article 06. https://doi.org/10.35946/arcr.v41.1.06
National Institute on Alcohol Abuse and Alcoholism. (n.d.). Alcohol use disorder: From risk to diagnosis to recovery. https://www.niaaa.nih.gov/health-professionals-communities/core-resource-on-alcohol/alcohol-use-disorder-risk-diagnosis-recovery
Substance Abuse and Mental Health Services Administration. (2020). Substance use disorder treatment and family therapy (Treatment Improvement Protocol Series No. 39; Publication No. PEP20-02-02-012). https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK571080/

كتابة وإعداد
ماري ملك
أخصائية أمراض التخاطب وباحثة ماجستير في علم النفس المعرفي بجامعة القاهرة.
أخصائية متخصصة في تشخيص اضطرابات التخاطب واللغة والكلام ووضع البرامج العلاجية المناسبة، تجمع بين التأهيل المهني في مجال التخاطب والخلفية الأكاديمية في علم النفس والمقاييس النفسية.
عند الحاجة إلى دعم متخصص
اختصاصيون في العلاقات والأسرة
الملاءمة تُحدد بعد التقييم. يمكن مراجعة المجال والمؤهلات والمواعيد في الملف قبل الحجز.
قراءة تكمّل الصورة
مقالات مرتبطة بالموضوع
كل المقالات
العلاقات والأسرة6 دقائقالتراكمات العاطفية بين الزوجين: كيف تتحول المواقف الصغيرة لفجوة كبيرة؟
قد يبدأ البعد بين الزوجين من مواقف تبدو بسيطة، مثل وعد لم يُنفذ، أو شعور متكرر بعدم التقدير، أو خلاف انتهى دون معالجة، ومع تكرار هذه المواقف، قد يتراكم الاستياء ويؤثر في نظرة كل طرف إلى الآخر، كيف تتكون التراكمات العاطفية، وما علاماتها، وكيف يمكن التعامل معها قبل أن تتسع الفجوة بين الزوجين؟
العلاقات والأسرة6 دقائقتأثير المرض المزمن في العلاقة الزوجية: كيف يواجه الزوجان تحدياتهما؟
كيف يؤثر المرض المزمن في العلاقة الزوجية؟ تعرّف إلى تأثير المرض في التواصل والتقارب العاطفي وتوزيع المسؤوليات، وكيف يمكن للزوجين مواجهة الضغوط والحفاظ على الشراكة.
العلاقات والأسرة6 دقائقتأخر الإنجاب وتأثيره في العلاقة الزوجية: كيف يواجه الزوجان الضغوط؟
قد يتحول انتظار الحمل إلى مصدر للقلق والحزن والضغط الاجتماعي، خاصة مع تكرار المحاولات أو بدء العلاج.. تعرّف على تأثير تأخر الإنجاب في العلاقة الزوجية، وكيف يواجه الزوجان الضغوط واللوم المتبادل ويحافظان على خصوصية تجربتهما.
تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.
