العودة إلى المدونة

القلق بسبب العمل.. كيف تؤثر ضغوط العمل في الصحة النفسية؟

قد يكون العمل مصدرًا للإنجاز، لكن تراكم الأعباء وضعف التحكم قد يحوله إلى مصدر مستمر للضغط.. دليل عملي لفهم القلق المرتبط بالعمل، أسبابه، ومتى يحتاج تقييمًا متخصصًا.

مادونا نشأت
مادونا نشأت
7 دقائق قراءة
القلق بسبب العمل.. كيف تؤثر ضغوط العمل في الصحة النفسية؟

محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.

قد يكون العمل مصدرًا للاستقرار والشعور بالإنجاز، لكنه أيضًا قد يصبح سببًا مستمرًّا للضغط والقلق، خاصة عندما تزيد متطلبات الوظيفة عن قدرة الشخص على التعامل معها، أو تقل قدرته على التحكم في طريقة أداء عمله.

ولا يرتبط القلق بسبب العمل دائمًا بحدث واحد واضح، فقد ينتج عن تراكم أعباء العمل أو طول ساعات العمل أو عدم وضوح المسؤوليات أو الخوف المستمر من فقدان الوظيفة، إلى جانب ظروف أخرى تتعلق ببيئة العمل والعلاقات المهنية.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن بيئات العمل التي تتسم بأعباء مفرطة أو ضعف التحكم في العمل أو انعدام الأمان الوظيفي قد تمثل مخاطر على الصحة النفسية.

ما المقصود بالقلق المرتبط بالعمل؟

القلق المرتبط بالعمل هو شعور متكرر بالتوتر أو الانشغال أو الخوف يرتبط بمتطلبات الوظيفة أو ظروفها، وقد يظهر أثناء ساعات العمل أو يمتد إلى الوقت الذي يقضيه الشخص بعيدًا عن العمل.

ويختلف تأثير ضغوط العمل من شخص إلى آخر، فقد يستطيع شخص التعامل مع فترة ضغط مؤقتة ثم يستعيد توازنه، بينما قد تصبح الضغوط أكثر تأثيرًا عندما تستمر لفترة طويلة أو عندما يشعر الشخص بأن متطلبات العمل تتجاوز موارده أو قدرته على التحكم فيها.

وتصف منظمة العمل الدولية الضغط المرتبط بالعمل بأنه استجابة تحدث عندما يدرك العامل أن متطلبات العمل تتجاوز قدرته أو موارده على التعامل معها، وقد تصبح هذه الاستجابة أكثر ضررًا عندما تكون شديدة أو مستمرة.

ما أسباب القلق بسبب العمل؟

تختلف أسباب القلق المرتبط بالعمل حسب طبيعة الوظيفة وظروف الشخص، وقد ترتبط بزيادة عبء العمل أو طول ساعات العمل أو العمل بنظام الورديات أو عدم مرونة المواعيد، كما قد ترتبط بعدم وضوح المهام أو ضعف القدرة على التحكم في طريقة أداء العمل.

وقد تكون العلاقات داخل بيئة العمل عاملاً آخر، مثل التعرض للتنمر أو السلوكيات العدائية أو ضعف الدعم من الإدارة والزملاء، كما يمكن أن يؤدي عدم الأمان الوظيفي أو الخوف من فقدان الوظيفة إلى ضغط نفسي مستمر.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن المخاطر النفسية والاجتماعية في بيئة العمل يمكن أن ترتبط بتصميم الوظيفة وحجم العمل وسرعته ومستوى التحكم فيها، إضافة إلى العلاقات المهنية وظروف العمل الأخرى.

ولا يعني وجود أحد هذه العوامل أن الشخص سيصاب بالقلق بالضرورة، لأن تأثير ظروف العمل يعتمد على طبيعة هذه الضغوط ومدتها وكيفية تفاعل الشخص معها والموارد المتاحة له للتعامل معها.

كيف تؤثر ضغوط العمل المستمرة في الشخص؟

قد يؤثر استمرار ضغوط العمل دون الحصول على فرصة كافية للتعافي في الحالة النفسية وطريقة التفكير والسلوك، فيشعر الشخص بأنه دائم الانشغال أو التوتر، أو يجد صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات.

وقد تظهر أيضًا تغيرات مثل انخفاض الدافعية أو الشعور بالإرهاق أو صعوبة النوم أو زيادة الانفعال، وتوضح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن الضغط المرتبط بالعمل قد يرتبط بالشعور بالتوتر والقلق والإرهاق وصعوبة النوم والتركيز.

كما أن استمرار ظروف العمل المجهدة قد يؤثر في الصحة النفسية بصورة أوسع، لذا تتعامل منظمة الصحة العالمية مع الوقاية من المخاطر النفسية والاجتماعية في بيئة العمل باعتبارها جزءًا أساسيًّا من حماية الصحة النفسية للعاملين.

كيف تعرف أن ضغط العمل بدأ يؤثر في حياتك خارج العمل؟

قد يكون من العلامات المهمة أن يصبح العمل حاضرًا في تفكير الشخص حتى بعد انتهاء ساعات العمل، أو أن يجد صعوبة في الانفصال ذهنيًّا عن مهامه ومسؤولياته.

وقد يبدأ الشخص في قضاء وقت أطول في العمل أو الاستمرار في متابعة الرسائل والمهام خلال أوقات الراحة والإجازات، أو يصبح أقل قدرة على الاستمتاع بوقته مع الأسرة والأصدقاء بسبب الانشغال المستمر بالعمل.

وقد تتأثر أيضًا العلاقات الشخصية والنوم والأنشطة اليومية عندما يستمر الضغط لفترة طويلة، وتذكر هيئة الخدمات الصحية البريطانية أن الضغط المرتبط بالعمل قد يظهر في التفكير والمشاعر والسلوك، ومن مظاهره تجنب بعض المهام أو العمل لساعات أطول أو خلال العطلات.

ولا يعني ظهور علامة واحدة أن الشخص يعاني مشكلة نفسية، لكن تزايد هذه التغيرات واستمرارها وتأثيرها في الحياة خارج العمل يستحق الانتباه.

هل يمكن أن يستمر القلق بسبب العمل بعد انتهاء ساعات العمل؟

نعم، فقد لا ينتهي التأثير النفسي لضغوط العمل بمجرد مغادرة مكان العمل، وقد يظل الشخص منشغلاً بما حدث خلال اليوم أو بما ينتظره في اليوم التالي، خاصة عندما تكون المهام كثيرة أو المسؤوليات غير واضحة أو يشعر بأن عليه الاستمرار في الاستعداد لمتطلبات العمل.

وقد يظهر ذلك في صعوبة الاسترخاء أو التفكير المستمر في المشكلات المهنية أو متابعة العمل خلال أوقات الراحة، ما يجعل الحدود بين وقت العمل والوقت الشخصي أقل وضوحًا.

وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن الضغط المرتبط بالعمل يمكن أن يؤثر في رفاه الشخص خارج العمل، بما في ذلك صحته وعلاقاته وحياته اليومية.

القلق بسبب ضغوط العمل داخلية 1

متى يتحول ضغط العمل إلى مصدر مستمر للقلق؟

لا توجد مدة واحدة يمكن عندها اعتبار ضغط العمل مشكلة بالنسبة إلى جميع الأشخاص، لأن تأثيره يعتمد على شدته واستمراره وظروف الشخص.

لكن يصبح الأمر أكثر أهمية عندما لا يكون الضغط مجرد استجابة مؤقتة لفترة مزدحمة، ولكن يتحول إلى حالة متكررة تؤثر في النوم أو التركيز أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الأنشطة المعتادة.

كما يستحق الانتباه عندما يشعر الشخص بأنه لا يستطيع التوقف عن التفكير في العمل، أو عندما يبدأ الضغط في التأثير بصورة واضحة في حياته خارج الوظيفة.

ومن المهم أيضًا التمييز بين وجود ضغوط مهنية مؤقتة وبيئة عمل تتضمن مخاطر نفسية واجتماعية مستمرة، لأن التعامل مع المشكلة قد يتطلب في الحالة الثانية النظر إلى ظروف العمل نفسها، وليس تحميل الشخص وحده مسؤولية التكيف معها، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية تعديل ظروف العمل والحد من المخاطر النفسية والاجتماعية بدل الاعتماد على تدخلات فردية فقط.

ماذا يمكن أن يفعل الشخص عندما يصبح العمل مصدرًا مستمرًّا للقلق؟

تبدأ الخطوة الأولى بمحاولة تحديد ما الذي يسبب الضغط داخل العمل بدلاً من التعامل معه باعتباره شعورًا عامًّا فقط، فقد يكون السبب حجم المهام، أو عدم وضوح المسؤوليات، أو ساعات العمل، أو مشكلة في العلاقة مع الإدارة أو الزملاء.

وقد يساعد التحدث مع المسؤول المباشر أو جهة مختصة داخل مكان العمل، عندما يكون ذلك ممكنًا، خاصة إذا كانت المشكلة مرتبطة بحجم العمل أو توزيع المهام أو ظروف بيئة العمل، في حل الأزمة.

ومن المهم أيضًا الحفاظ على فترات الراحة وعدم تحويل كل الوقت خارج ساعات العمل إلى امتداد ليوم العمل، مع الاهتمام بالنوم والنشاط البدني والأنشطة الشخصية والعلاقات الاجتماعية.

وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أهمية تحديد العوامل التي تسبب الضغط والتحدث بشأنها والعمل على إيجاد حلول، إلى جانب الحصول على فترات راحة والاستفادة من مصادر الدعم المتاحة.

متى يحتاج القلق المرتبط بالعمل إلى تقييم متخصص؟

يستحق القلق المرتبط بالعمل إلى استشارة طبية من متخصص عندما يصبح مستمرًّا أو شديدًا، أو عندما يبدأ في التأثير بصورة واضحة في النوم أو العلاقات أو العمل نفسه أو القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.

ويكون التقييم أكثر أهمية عندما يصبح الشخص غير قادر على السيطرة على القلق، أو عندما تستمر المشاعر المزعجة رغم تغير ظروف العمل أو الحصول على فترات راحة، أو عندما تظهر أعراض نفسية أو جسدية جديدة ومستمرة.

وفي هذه الحالات يمكن للمتخصص تقييم طبيعة القلق ومدى ارتباطه بظروف العمل، وما إذا كان جزءًا من استجابة للضغط أم يرتبط بمشكلة نفسية أخرى تحتاج إلى تقييم وعلاج مناسب.

كما أن وجود ضغوط مهنية لا يعني تلقائيًّا أن المشكلة ناتجة عن اضطراب نفسي، لذلك لا ينبغي للشخص أن يشخص نفسه اعتمادًا على شعوره بالقلق وحده.

الخلاصة:

القلق بسبب العمل قد يرتبط بتراكم ضغوط الوظيفة أو زيادة متطلباتها أو ضعف القدرة على التحكم فيها أو عدم الأمان الوظيفي أو بعض المشكلات داخل بيئة العمل.

وقد يمتد تأثير هذه الضغوط إلى خارج ساعات العمل، فيؤثر في النوم والتركيز والعلاقات والقدرة على الاستمتاع بالوقت الشخصي.

ولا يعني الشعور بالقلق بسبب العمل وحده وجود اضطراب نفسي، لكن استمرار القلق وتأثيره في الحياة اليومية أو صعوبة السيطرة عليه يستدعي الانتباه والتقييم المتخصص عند الحاجة.

كما أن التعامل مع القلق المرتبط بالعمل لا يعتمد دائمًا على تغيير طريقة تعامل الشخص مع الضغط فقط، فقد يكون من الضروري النظر أيضًا إلى ظروف العمل نفسها والعوامل التي تسببت في الضغط المستمر.

القلق بسبب ضغوط العمل داخلية 2

المراجع:

  • منظمة الصحة العالمية، الصحة النفسية في العمل.

  • منظمة العمل الدولية، المخاطر النفسية والاجتماعية والضغط في العمل.

  • منظمة الصحة العالمية، إرشادات الصحة النفسية في العمل.

  • مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، الصحة النفسية للعاملين.

  • مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، الضغط والعمل.

  • هيئة الخدمات الصحية البريطانية، الضغط المرتبط بالعمل.

القلق بسبب العملضغوط العملالاحتراق المهنيالتوتر النفسيالبيئة النفسية للعملعلاج القلقالصحة النفسيةمنصة استشير
مادونا نشأت

كتابة وإعداد

مادونا نشأت

أخصائية نفسية إكلينيكية

أخصائية نفسية إكلينيكية تهتم بتبسيط الوعي النفسي وتقديم محتوى مهني يساعد القارئ على فهم حالته واتخاذ خطوة آمنة.

ليسانس آداب قسم علم النفس - جامعة حلواندبلومة متخصصة في علم النفس الإكلينيكيعضو رابطة الأخصائيين النفسيين
16 مشاهدة 0 تفاعل

قراءة تكمّل الصورة

تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.

القلق بسبب العمل.. تأثير ضغوط الوظيفة في الصحة النفسية والتتعامل معها | استشير