العودة إلى المدونة

أنماط التعلق في العلاقات العاطفية: كيف تؤثر في علاقتنا بالشريك؟

تؤثر أنماط التعلق في طريقة تعاملنا مع القرب العاطفي والثقة والخلافات في العلاقات. تعرف إلى أنماط التعلق الأربعة لدى البالغين، وكيف تتشكل، وتنعكس على التواصل بين الشريكين، وما الذي يساعد على بناء علاقات أكثر استقرارًا.

ماري ملك
ماري ملك
7 دقائق قراءة
أنماط التعلق في العلاقات العاطفية: كيف تؤثر في علاقتنا بالشريك؟

محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.

تختلف طريقة تعامل الأشخاص مع القرب العاطفي والثقة والابتعاد في العلاقات، فبينما يشعر بعضهم بالأمان عند التقرب من الشريك وطلب الدعم، ينشغل آخرون بالخوف من الرفض أو يفضلون الحفاظ على مسافة عاطفية، وهذا ما تقوم به نظرية التعلق، والتي تساعد على فهم هذه الاختلافات وكيفية انعكاسها على التواصل والتعامل مع الخلافات بين الشريكين.

ما المقصود بأنماط التعلق في العلاقات العاطفية؟

التعلق هو رابطة عاطفية تتشكل مع الأشخاص المهمين في حياة الفرد، وتؤثر في طريقة طلبهم للدعم والتعامل بأمان في العلاقات القريبة، نشأت هذه النظرية من دراسة العلاقات المبكرة بين الأطفال ومقدمي الرعاية، ثم امتدت إلى دراسة العلاقات العاطفية لدى البالغين.

وتتناول أبحاث التعلق لدى البالغين بعدين أساسيين، هما قلق التعلق وتجنب التعلق، ويرتبط القلق بالخوف من الرفض والهجر والحاجة إلى التأكد من استمرار العلاقة، بينما يرتبط التجنب بعدم الارتياح إلى الاعتماد العاطفي والقرب الشديد.

ويقدم نموذج بارثولوميو وهورويتز 4 أنماط للتعلق عند البالغين، وهي: "التعلق الآمن، والتعلق المنشغل، والتعلق الرافض، والتعلق الخائف"، بناء على تصورات الفرد عن ذاته والآخرين، وهذه الأنماط أوصاف لأساليب شائعة في التعامل مع العلاقات، وليست تشخيصات نفسية، كما لا تعني أن استجابات الشخص ثابتة في جميع علاقاته ومواقفه.

ما أنماط التعلق الرئيسية لدى البالغين؟

التعلق الآمن

يميل الشخص في التعلق الآمن إلى الشعور بالارتياح تجاه القرب العاطفي، والثقة بإمكانية طلب الدعم وتقديمه، والتعبير عن احتياجاته بوضوح، كما يستطيع الحفاظ على استقلاليته دون أن يشعر أن الاعتماد المتبادل تهديد لحريته، ولا يعني التعلق الآمن غياب الخلافات أو القلق، ولكن القدرة على التعامل معهما بمرونة أكبر.

التعلق المنشغل

يرتبط التعلق بالانشغال باحتمال الرفض أو الهجر، وقد يفسر الشخص تأخر رد الشريك أو تغير أسلوبه على أنه علامة على تراجع اهتمامه، وقد يحتاج إلى تكرار تطمينه، أو يسعى إلى زيادة القرب عندما يشعر بالتهديد.

ويرتبط هذا النمط عادة بتصور سلبي عن الذات وتصور إيجابي عن الآخرين، ما قد يجعل الشخص أكثر اعتماداً على قبول الشريك وتأكيده لقيمته واستمرار العلاقة.

التعلق الرافض

يميل الشخص ذو التعلق الرافض إلى الاعتماد على نفسه والحد من احتياجاته العاطفية المعلنة، وقد يجد صعوبة في التعبير عن مشاعره أو تقبل القرب الشديد، وفي المواقف الضاغطة قد يفضل الانسحاب أو تأجيل النقاشات العاطفية بدلاً من التعامل المباشر مع المشاعر.

ويرتبط هذا النمط عادة بتصور إيجابي عن الذات وتصور سلبي عن الآخرين، بما يعكس الميل إلى الاعتماد على الذات والتحفظ تجاه الاعتماد العاطفي على الآخرين، ورغم ذلك لا يعني تفضيل الاستقلال وحده وجود هذا النمط، فقد يكون الابتعاد استجابة لظروف العلاقة أو للحاجة المؤقتة إلى الهدوء.

التعلق الخائف

يرتبط هذا النمط بالخوف من الرفض أو التعرض للأذى، مع عدم الارتياح إلى القرب العاطفي في الوقت نفسه، وقد يرغب الشخص في بناء علاقة وثيقة، ولكنه يتردد في الوثوق بالشريك أو السماح له بالاقتراب، فيتأرجح بين الرغبة في التقارب والميل إلى الابتعاد.

ويجمع هذا النمط بين تصور سلبي عن الذات وتصور سلبي عن الآخرين، ما قد يجعل التقارب العاطفي مصدراً للرغبة والقلق في الوقت نفسه، ولا تكفي مواقف منفردة من التردد أو الانسحاب لتحديد نمط التعلق، وإنما ينبغي مراعاة الاستجابات المتكررة وسياق العلاقة.

أنماط التعلق في العلاقات داخلية

كيف تؤثر أنماط التعلق في التواصل والخلافات بين الشريكين؟

قد تؤثر أنماط التعلق في تفسير المواقف والاستجابة للاحتياجات العاطفية، فالشخص الذي يخشى الهجر قد يفسر انشغال الشريك أو حاجته إلى بعض المساحة باعتباره علامة على الرفض، بينما قد يشعر الشخص الذي يتجنب القرب العاطفي بالضغط عندما تتكرر المطالب بالنقاش أو التطمين.

وقد يؤدي اختلاف الاستجابات إلى دائرة متكررة من المطالبة بالقرب والانسحاب منه، فكلما ابتعد أحد الطرفين، ازداد قلق الآخر وطلبه للتقارب، وقد يؤدي تصاعد المطالب بدوره إلى مزيد من الانسحاب.

وأظهرت مراجعة تحليلية تلوية شملت 73 دراسة و118 عينة مستقلة بإجمالي 21602 مشاركاً، وجود ارتباط بين قلق التعلق وتجنبه وانخفاض مؤشرات جودة العلاقات العاطفية، وكان القلق أكثر ارتباطاً بالخلافات، بينما ارتبط التجنب بصورة أكبر بانخفاض الرضا العام والترابط والدعم، ولا تعني هذه النتائج أن نمط التعلق وحده يحدد نجاح العلاقة أو فشلها، كما لا تثبت أن كل خلاف بين الشريكين ناتج عن اختلاف أنماط التعلق.

ما دور الخبرات السابقة في تشكيل أنماط التعلق؟

يمكن أن تسهم الخبرات المبكرة مع مقدمي الرعاية في تشكيل توقعات الفرد إزاء الأمان والثقة والاستجابة العاطفية، وقد تؤثر هذه التوقعات في علاقاته اللاحقة، لكنها لا تحدد بصورة حتمية نمط التعلق في مرحلة البلوغ.

وتتأثر علاقات البالغين أيضاً بالخبرات العاطفية اللاحقة والظروف الحالية وطبيعة العلاقة نفسها، لذا لا يصح تفسير جميع صعوبات الشخص العاطفية بالرجوع إلى طفولته وحدها، أو افتراض أن أنماط التعلق ثابتة ولا يمكن أن تتغير.

كيف يتعرف الشخص على نمط تعلقه؟

يمكن للشخص ملاحظة استجاباته المتكررة عند الخلاف أو تأخر الردود أو طلب الدعم أو الحاجة إلى المساحة الشخصية، ومن المفيد أن يسأل نفسه عما إذا كان ينشغل كثيرًا باحتمال الرفض، أو يجد صعوبة في الوثوق بالشريك، أو يميل إلى الانسحاب كلما ازدادت الحميمية.

ومع ذلك لا تكفي هذه الملاحظات وحدها لتحديد نمط التعلق، فقد ترتبط الاستجابة بمشكلة فعلية في العلاقة أو بظروف مؤقتة، كما أن استبيانات التعلق أدوات لتقييم أنماط الاستجابة وليست تشخيصًا نفسيًا، وقد يكون التقييم المتخصص مفيداً عندما تتكرر الصعوبات وتسبب ضيقاً واضحاً.

هل يمكن تغيير أنماط التعلق؟

يمكن أن تتغير طريقة تعامل الفرد مع القرب العاطفي والثقة بمرور الوقت، وإن لم يكن التغير فوريًّا أو مضموناً، وقد تساعد العلاقات التي تتسم بالاستجابة والموثوقية على تعزيز الشعور بالأمان، كما يفيد الوعي بالمخاوف المتكررة وتعلم تنظيم المشاعر والتعبير الواضح عن الاحتياجات.

ولا تقع مسؤولية التغيير على الشريك وحده، كما لا ينبغي استخدام مفهوم التعلق لتبرير الأذى أو تجاوز الحدود الشخصية، وقد يكون الدعم النفسي المتخصص مناسباً عندما تعوق الصعوبات المتكررة قدرة الفرد على بناء علاقات مستقرة أو التعامل مع الخلافات.

كيف يتعامل الشريكان مع اختلاف أنماط التعلق؟

يمكن للشريكين تحديد المواقف التي تثير القلق أو الرغبة في الانسحاب، والتعبير عن احتياجاتهما مباشرة بدلًا من الاعتماد على التلميحات أو اختبار مشاعر الطرف الآخر، كما يفيد الاتفاق على طريقة لإدارة الخلافات، تتضمن الاستماع المتبادل واحترام الحاجة إلى الهدوء وتحديد وقت مناسب لاستكمال النقاش.

ومن المهم عدم تحويل أنماط التعلق إلى أحكام ثابتة على الشريك، أو استخدامها لتفسير كل تصرف يصدر عنه، فهذه المفاهيم تساعد على فهم بعض الاستجابات، لكنها لا تغني عن معالجة مشكلات الثقة والتواصل واحترام الحدود.

متى تكون الاستعانة بمختص نفسي مفيدة؟

قد تكون الاستعانة بمختص نفسي مناسبة عندما تتكرر مخاوف الهجر أو صعوبات القرب والابتعاد بصورة تسبب ضيقاً مستمرًّا، أو تؤدي إلى خلافات يصعب التعامل معها، أو تعوق بناء علاقات مستقرة، ويساعد التقييم المتخصص على فهم العوامل المرتبطة بهذه الصعوبات وتحديد أساليب الدعم المناسبة، دون الاكتفاء بإلحاق الشخص بنمط معين.

الخلاصة

تساعد أنماط التعلق على فهم اختلاف طرق التعامل مع القرب والثقة والخلافات في العلاقات العاطفية، لكنها لا تمثل تشخيصاً نفسيًّا ولا تحدد مصير العلاقة، ويمكن أن يسهم الوعي بالاستجابات المتكررة والتواصل بشأن الاحتياجات في تحسين التعامل مع المواقف الصعبة، مع مراعاة ظروف العلاقة وإمكانية تغير أنماط التعلق بمرور الوقت. 

أنماط التعلق في العلاقات1

المراجع

  • Bartholomew, K., & Horowitz, L. M. (1991). Attachment styles among young adults: A test of a four-category model. Journal of Personality and Social Psychology, 61(2), 226–244. https://doi.org/10.1037/0022-3514.61.2.226

  • Fraley, R. C. (2019). Attachment in Adulthood: Recent Developments, Emerging Debates, and Future Directions. Annual Review of Psychology, 70, 401–422. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-010418-102813

  • Li, T., & Chan, D. K. S. (2012). How Anxious and Avoidant Attachment Affect Romantic Relationship Quality Differently: A Meta-Analytic Review. European Journal of Social Psychology, 42(4), 406–419. https://doi.org/10.1002/ejsp.1842

  • Overall, N. C., Pietromonaco, P. R., & Simpson, J. A. (2022). Buffering and Spillover of Adult Attachment Insecurity in Couple and Family Relationships. Nature Reviews Psychology, 1, 101–111. https://doi.org/10.1038/s44159-021-00011-1

  • Simpson, J. A., & Rholes, W. S. (2017). Adult Attachment, Stress, and Romantic Relationships. Current Opinion in Psychology, 13, 19–24. https://doi.org/10.1016/j.copsyc.2016.04.006)

أنماط التعلقالتعلق العاطفيالعلاقات العاطفيةالتعلق الآمنقلق التعلقتجنب التعلقالتواصل بين الشريكينالصحة النفسية
ماري ملك

كتابة وإعداد

ماري ملك

أخصائية أمراض التخاطب وباحثة ماجستير في علم النفس المعرفي بجامعة القاهرة.

أخصائية متخصصة في تشخيص اضطرابات التخاطب واللغة والكلام ووضع البرامج العلاجية المناسبة، تجمع بين التأهيل المهني في مجال التخاطب والخلفية الأكاديمية في علم النفس والمقاييس النفسية.

معتمدة في أمراض التخاطب من معهد السمع والكلام بمستشفى الأنف والأذن والحنجرة التعليميباحثة ماجستير في علم النفس المعرفي – جامعة القاهرةليسانس الآداب في علم النفس – جامعة حلوان
10 مشاهدة 0 تفاعل

قراءة تكمّل الصورة

تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.