الاكتئاب وفقدان المتعة.. لماذا نفقد الشغف بالأشياء التي نحبها؟
فقدان المتعة أو الاهتمام بالأشياء التي اعتدنا الاستمتاع بها قد يكون أحد أعراض الاكتئاب، تعرف على انعدام التلذذ وكيف يظهر ومتى يستدعي التقييم المتخصص.


محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.
الاكتئاب وفقدان المتعة من القضايا التي تشغل بال الكثيرين، ويبدأ الاكتئاب لدى بعض الأشخاص بصورة لا تبدو مرتبطة بالحزن، فقد يلاحظ الشخص أنه لم يعد يستمتع بالأشياء التي اعتاد أن يحبها، أو أن الأنشطة التي كانت تمنحه شعورًا بالراحة والرضا أصبحت عادية أو بلا معنى، وقد يتراجع اهتمامه بالهوايات واللقاءات الاجتماعية والأنشطة اليومية، ويعتبر فقدان المتعة أو الاهتمام من السمات الأساسية التي قد تظهر مع الاكتئاب، وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين الاكتئاب وفقدان المتعة..
ما المقصود بفقدان المتعة أو الاهتمام؟
فقدان المتعة، المعروف طبيًّا باسم انعدام التلذذ أو Anhedonia، يعني تراجع القدرة على الشعور بالمتعة في الأنشطة التي كانت تمنح الشخص متعة من قبل، وقد يظهر في صورة عدم الاستمتاع بالهوايات أو الأنشطة الاجتماعية أو الأشياء التي كان الشخص ينتظرها بشغف، وقد يصاحبه فقدان الاهتمام بهذه الأنشطة أو انخفاض الدافع إلى ممارستها.
ولا يقتصر انعدام التلذذ على انخفاض الشعور بالمتعة أثناء ممارسة النشاط، فقد يرتبط أيضًا بتراجع القدرة على توقع المتعة أو انخفاض الدافع إلى بذل الجهد للوصول إليها، لذا قد يفقد الشخص حماسه لنشاط كان ينتظره أو يستعد له لأنه لا يتوقع أن يشعر بالمتعة بعد القيام به، وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن انعدام التلذذ أكثر تعقيدًا من مجرد غياب الشعور بالسعادة، وقد يرتبط بعمليات متعددة تشمل التوقع والدافعية والاستجابة للمكافأة.
كيف يظهر فقدان المتعة في الحياة اليومية؟
قد يظهر فقدان المتعة بطرق مختلفة من شخص إلى آخر، فقد يتوقف الشخص عن ممارسة هواية كان يخصص لها وقتًا بانتظام، أو لا يعود متحمسًا للقاء الأصدقاء والعائلة، أو يشعر بأن مشاهدة فيلم أو الاستماع إلى الموسيقى أو الخروج من المنزل لم تعد تمنحه نفس الشعور الذي كان يشعر به سابقًا، وقد يواصل بعض الأشخاص أداء هذه الأنشطة، ولكن دون الإحساس بالمتعة أو الرضا الذي اعتادوا عليه.
وقد يمتد الأمر إلى جوانب أخرى من الحياة، مثل انخفاض الاهتمام بالعمل أو الدراسة أو العلاقات، أو تراجع المبادرة إلى القيام بالأنشطة اليومية، خاصة عندما يصاحب فقدان المتعة انخفاض في الطاقة أو صعوبة في التركيز أو اضطراب في النوم، وهي أعراض يمكن أن تظهر أيضًا ضمن الاكتئاب.
هل فقدان المتعة يعني الإصابة بالاكتئاب؟
ليس بالضرورة ظهور فقدان المتعة أو الاهتمام في حالات مختلفة، لذا لا يمكن الاعتماد على هذا العرض وحده لتشخيص الاكتئاب، ويقيّم الطبيب الصورة الكاملة للأعراض ومدتها وتأثيرها في الحياة اليومية، إلى جانب الأعراض الأخرى المرتبطة بالاكتئاب.
ويكتسب فقدان المتعة أو الاهتمام أهمية أكبر عندما يستمر بصورة واضحة ويؤثر في العمل أو الدراسة أو العلاقات أو القدرة على أداء المهام اليومية، وقد يصاحبه انخفاض في المزاج أو الطاقة، أو تغير في النوم أو الشهية، أو صعوبة في التركيز، أو الشعور بالذنب أو انخفاض تقدير الذات، وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب قد يظهر في صورة مزاج مكتئب أو فقدان للمتعة أو الاهتمام لفترة ممتدة، وغالبًا ما تصاحبه أعراض أخرى تؤثر في حياة الشخص اليومية.
ما الفرق بين فقدان المتعة والملل المؤقت؟
الملل أو انخفاض الحماس قد يحدثان بصورة طبيعية في فترات مختلفة من الحياة، وقد يرتبطان بالروتين أو الإرهاق أو ضغوط العمل أو تغير الاهتمامات، ولا يعنيان بالضرورة فقدان القدرة على الاستمتاع بالأنشطة التي اعتاد الشخص ممارستها.
أما فقدان المتعة المرتبط بالاكتئاب فقد يكون أوسع نطاقًا وأكثر استمرارًا، حيث يشعر الشخص أن الأشياء التي كانت تمنحه متعة لم تعد تفعل ذلك، وقد يفقد الاهتمام بمجالات متعددة من حياته، وليس بنشاط واحد فقط، كما قد يصاحبه عدد من الأعراض الأخرى التي تؤثر في الأداء اليومي.
لماذا يفقد الشخص اهتمامه بالأشياء التي كان يحبها؟
يرتبط فقدان المتعة في الاكتئاب بتغيرات معقدة في العمليات النفسية والعصبية المرتبطة بالمكافأة والدافعية وتوقع المتعة والاستجابة لها، ولا يعني ذلك بالضرورة أن الشخص لم يعد يحب الأشياء التي كان يستمتع بها، وإنما قد تتغير الطريقة التي يستجيب بها لهذه الأنشطة.
وتشير الأبحاث إلى أن انعدام التلذذ في الاكتئاب لا يمثل حالة واحدة متطابقة لدى جميع الأشخاص، فقد يكون لدى شخص تراجع أكبر في القدرة على توقُّع المتعة، بينما يظهر لدى شخص آخر في ضعف الاستجابة للأنشطة الممتعة أو انخفاض الدافعية لبذل الجهد للوصول إليها، لذا ينظر الباحثون حاليًّا إلى انعدام التلذذ باعتباره اضطرابًا أكثر تعقيدًا في معالجة المكافأة وليس مجرد غياب للشعور بالسعادة.
هل يمكن أن يؤثر فقدان المتعة في العلاقات؟
نعم، فقد يؤدي فقدان المتعة والاهتمام إلى تقليل رغبة الشخص في التواصل مع الآخرين أو المشاركة في المناسبات والأنشطة الاجتماعية، وقد يبدو أحيانًا وكأنه أصبح أقل اهتمامًا بأصدقائه أو أسرته، بينما يكون السبب تراجع قدرته على الشعور بالمتعة أو انخفاض الدافعية للمشاركة.
وقد يؤدي استمرار هذا الوضع إلى زيادة الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية واليومية، لذا فإن ملاحظة التغير المستمر في طريقة تفاعل الشخص مع الأشياء والأشخاص الذين كانوا مهمين له قد تكون إشارة تستحق الانتباه، خاصة إذا صاحبتها أعراض أخرى للاكتئاب.
متى يحتاج فقدان المتعة إلى تقييم متخصص؟
يستحق فقدان المتعة أو الاهتمام تقييمًا متخصصًا عندما يكون واضحًا ومستمرًّا، أو عندما يبدأ في التأثير في العمل أو الدراسة أو العلاقات أو الأنشطة اليومية، خاصة إذا صاحبه عدد من أعراض الاكتئاب الأخرى، مثل انخفاض المزاج أو اليأس أو الشعور بالذنب أو التعب أو اضطرابات النوم أو تغير الشهية أو صعوبة التركيز.
كما تصبح الحاجة إلى التقييم أكثر أهمية عند وجود أفكار عن الموت أو الانتحار، ففي هذه الحالة يجب طلب المساعدة المتخصصة بصورة عاجلة وعدم التعامل مع الأعراض باعتبارها مجرد فقدان مؤقت للحماس، لأن الاكتئاب يرتبط بزيادة خطر الانتحار.
كيف نتعامل مع فقدان المتعة المرتبط بالاكتئاب؟
يتم التعامل مع فقدان المتعة ضمن تقييم وعلاج الحالة الأساسية، فإذا كان مرتبطًا بالاكتئاب، يحدد الطبيب أو المختص النفسي خطة العلاج وفق شدة الأعراض واحتياجات الشخص، وقد تشمل العلاج النفسي أو الأدوية أو الجمع بينهما وفق الحالة.
وأشارت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في المجلد 393 من مجلة Journal of Affective Disorders وشملا 22 دراسة و3287 مشاركًا إلى أن العلاجات النفسية والدوائية المستخدمة لعلاج الاكتئاب حققت تحسنًا صغيرًا في أعراض انعدام التلذذ مقارنة بالانتظار أو عدم العلاج أو بعض أشكال الرعاية المعتادة، ولم تجد المراجعة دليلاً واضحًا على اختلاف فعالية العلاجات النشطة بعضها عن بعض في تخفيف هذا العرض، كما كان حجم التحسن في انعدام التلذذ أصغر من أحجام التأثير التي أظهرتها دراسات سابقة على أعراض الاكتئاب عمومًا، ما يشير إلى الحاجة إلى مزيد من البحث حول الطرق الأكثر مباشرة لاستهداف انعدام التلذذ.
ولا يعني تحسن فقدان المتعة أن الشخص يجب أن يجبر نفسه على الشعور بالسعادة، ولكن يبدأ التعامل معه بفهم السبب وتقييم الحالة بصورة صحيحة، ثم اتباع الخطة العلاجية المناسبة، مع متابعة التغير في الأعراض والقدرة على العودة تدريجيًا إلى الأنشطة اليومية.
الخلاصة:
فقدان المتعة أو الاهتمام قد يكون أكثر من مجرد ملل أو فتور مؤقت، فقد يمثل أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب، خاصة عندما يستمر ويؤثر في جوانب متعددة من الحياة، ولا يكفي وجود هذا العرض وحده لتشخيص الاكتئاب، لكن ملاحظته إلى جانب تغيرات أخرى في المزاج أو النوم أو الطاقة أو التركيز قد تكون سببًا مهمًا لطلب التقييم المتخصص.

المراجع:
World Health Organization. Depressive disorder (depression). 11 September 2026.
Pugh D, Saunders R, Jones A, Dunn BD, Buckman JEJ. Evaluating the efficacy of psychotherapeutic and pharmacological treatments for depression on anhedonia: A systematic review and meta-analysis. Journal of Affective Disorders. 2026;393(Pt A):120165. doi:10.1016/j.jad.2025.120165.
Wu C, Mu Q, Gao W, Lu S. The characteristics of anhedonia in depression: a review from a clinically oriented perspective. Translational Psychiatry. 2025;15(1):90. doi:10.1038/s41398-025-03310-w.
Craske MG, Dunn BD, Meuret AE, Rizvi SJ, Taylor CT. Positive affect and reward processing in the treatment of depression, anxiety and trauma. Nature Reviews Psychology. 2024;3:665-685. doi:10.1038/s44159-024-00355-4.

كتابة وإعداد
مادونا نشأت
أخصائية نفسية إكلينيكية
أخصائية نفسية إكلينيكية تهتم بتبسيط الوعي النفسي وتقديم محتوى مهني يساعد القارئ على فهم حالته واتخاذ خطوة آمنة.
قراءة تكمّل الصورة
مقالات مرتبطة بالموضوع
كل المقالات
الصحة النفسية7 دقائقمتى أذهب إلى طبيب نفسي؟ 8 علامات تشير إلى أن الوقت حان لطلب المساعدة
متى يحتاج الإنسان إلى زيارة طبيب نفسي؟ تعرف على العلامات التي تشير إلى أن المشكلات النفسية لم تعد عابرة، وأصبحت تؤثر في الحياة اليومية أو العلاقات أو العمل، ومتى يكون طلب المساعدة المتخصصة خطوة مهمة نحو التحسن.
الصحة النفسية7 دقائقما هو العلاج النفسي؟ كيف يعمل وما الحالات التي تستدعي علاجها؟
العلاج النفسي تدخل مهني منظم يساعد على التعامل مع المشكلات النفسية والانفعالية والسلوكية، من خلال أساليب علاجية تستند إلى الأدلة العلمية وتُختار وفق طبيعة المشكلة واحتياجات الشخص. تعرف إلى كيفية عمل العلاج النفسي وأشهر أساليبه والحالات التي يمكن أن يساعد فيها.
الصحة النفسية7 دقائقالمشكلات النفسية عند الأطفال: ما أبرزها وكيف نعرف أن الطفل يحتاج إلى مساعدة؟
قد يمر الطفل بتغيرات في مشاعره أو سلوكه خلال مراحل النمو، وقد تكون مؤقتة وطبيعية. لكن استمرار الصعوبات الانفعالية أو السلوكية، أو شدتها، أو تأثيرها في الدراسة والعلاقات والنوم، قد يستدعي تقييمًا متخصصًا. تعرف على أبرز المشكلات النفسية التي قد تظهر لدى الأطفال، والعلامات التي تستحق الانتباه، ومتى يحتاج الطفل إلى مساعدة متخصصة، وكيف يمكن للأهل دعمه بطريقة مناسبة.
تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.
