العودة إلى المدونة

الجوع والشبع.. كيف ينظم الجسم الشهية وما العوامل التي تؤثر فيها؟

الجوع والشبع ليسا مجرد استجابة لمواعيد الطعام، تعرف على كيفية تنظيم الجسم للشهية ودور الهرمونات والجهاز الهضمي ومكونات الوجبات والنوم والنشاط البدني فيها.

أ.د آلاء أبو رية
أ.د آلاء أبو رية
9 دقائق قراءة
الجوع والشبع.. كيف ينظم الجسم الشهية وما العوامل التي تؤثر فيها؟

محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.

يبدو الشعور بـ الجوع والشبع عملية بسيطة مرتبطة بموعد تناول الطعام، لكن الجسم يعتمد في تنظيم الشهية على شبكة معقدة من الإشارات العصبية والهرمونية والميكانيكية القادمة من الدماغ والجهاز الهضمي والأنسجة الدهنية، وتتفاعل هذه الإشارات مع مكونات الطعام والنوم والنشاط البدني والعوامل البيئية والسلوكية لتحديد متى نشعر بالحاجة إلى الطعام ومتى تتراجع الرغبة في مواصلة تناوله، لذا لا ترتبط الشهية بحجم المعدة أو عدد الوجبات وحدهما، وإنما بمنظومة متكاملة تساعد الجسم على تنظيم تناول الطاقة وفق احتياجاته

ما الفرق بين الجوع والشهية؟

الجوع هو الإحساس الفسيولوجي بالحاجة إلى الطعام، ويرتبط بإشارات داخلية تعكس حالة الطاقة في الجسم وتأثير مرور الوقت منذ آخر وجبة، وقد يظهر في صورة إحساس بالفراغ أو انقباض المعدة أو انخفاض الطاقة أو صعوبة التركيز، بينما تشير الشهية إلى الرغبة في تناول الطعام، ويمكن أن تظهر حتى في غياب حاجة فسيولوجية واضحة إلى الطاقة.

وقد تتأثر الشهية بعوامل خارجية، مثل رائحة الطعام ومظهره وتوافره والعادات المرتبطة بمواعيد معينة أو أماكن محددة، كما يمكن للمشاعر والتوتر والمحفزات المرتبطة بالطعام أن تؤثر في الرغبة في تناوله، لذا قد يشعر الإنسان بالرغبة في الأكل دون أن يكون جائعًا بالمعنى الفسيولوجي.

أما الشبع فيرتبط بانخفاض الرغبة في مواصلة تناول الطعام أثناء الوجبة وبعدها، ويشارك فيه امتلاء المعدة والإشارات الناتجة عن وصول العناصر الغذائية إلى الجهاز الهضمي وإفراز مجموعة من الهرمونات التي تنقل معلومات إلى الدماغ، بينما يشير الإحساس بالامتلاء أثناء الوجبة إلى مرحلة مختلفة عن استمرار انخفاض الجوع لفترة بعد تناول الطعام.

كيف ينظم الجسم الإحساس بالجوع والشبع؟

يعتمد تنظيم الشهية على تواصل مستمر بين الجهاز الهضمي والدماغ، حيث تستقبل مراكز متخصصة في الدماغ إشارات مرتبطة بكمية الطاقة المتاحة وحالة المعدة والأمعاء وتركيب الطعام، وتساعد منطقة تحت المهاد في دمج عدد كبير من هذه الإشارات وتنظيم السلوك الغذائي وتوازن الطاقة.

وتبدأ بعض إشارات الشبع أثناء تناول الطعام نتيجة تمدد المعدة، كما ترسل الأمعاء إشارات مرتبطة بوصول الطعام والعناصر الغذائية إليها، وتنتقل هذه المعلومات من خلال مسارات عصبية وهرمونية إلى الدماغ للمساعدة في تحديد استمرار تناول الطعام أو التوقف عنه، بينما تتغير إشارات أخرى بحسب حالة الطاقة ومدة الصيام وتوقيت الوجبات.

ولا تعمل هذه الآليات بصورة منفصلة، فتنظيم الشهية يعتمد على تفاعل إشارات قصيرة المدى مرتبطة بالوجبة مع إشارات أطول مدى تعكس حالة الطاقة في الجسم، ولهذا فإن الإحساس بالجوع أو الشبع لا تحدده إشارة واحدة أو هرمون واحد.

ما دور الهرمونات في تنظيم الشهية؟

يعتبر هرمون الجريلين من أبرز الإشارات المرتبطة بالجوع، ويُفرَز بصورة رئيسية من المعدة، وترتفع مستوياته عادة قبل تناول الطعام وتنخفض بعده، كما يمكن أن يؤثر في دوائر عصبية مرتبطة بتناول الطعام، لذا يرتبط الجريلين بصورة أساسية بتحفيز الإحساس بالجوع وتناول الطعام.

وفي المقابل تعزز مجموعة من الإشارات الهرمونية الشبع بعد تناول الطعام، ومن بينها هرمون كوليسيستوكينين والببتيد الشبيه بالجلوكاجون واحد والببتيد YY، كما يشارك الإنسولين واللبتين في نقل معلومات مرتبطة بحالة الطاقة إلى الدماغ، وتعمل هذه الإشارات معًا ضمن شبكة معقدة لتنظيم تناول الطعام وتوازن الطاقة.

ويُنتج اللبتين بصورة أساسية من الأنسجة الدهنية، ويرتبط بإشارات تعكس مخزون الطاقة في الجسم، كما يرتبط الإنسولين بحالة الطاقة وتناول الطعام، ولا يعني هذا أن ارتفاع أو انخفاض أحد هذه الهرمونات وحده يحدد الشهية، لأن تنظيم تناول الطعام يعتمد على تفاعل عدد كبير من الإشارات العصبية والهرمونية والبيئية.

كيف تؤثر مكونات الوجبة في الإحساس بالشبع؟

تختلف قدرة الوجبات على التأثير في الجوع والشبع بحسب تركيبها وحجمها وكمية العناصر الغذائية الموجودة فيها، ووجدت مراجعات للتجارب العشوائية أن تناول البروتين يمكن أن يزيد الإحساس بالامتلاء ويقلل الشعور بالجوع على المدى القصير، مع وجود اختلافات بين الدراسات وعدم كفاية الأدلة لإطلاق قاعدة واحدة تنطبق على جميع الأشخاص.

كما يمكن لبعض أنواع الألياف الغذائية أن تعزز الإحساس بالشبع من خلال تأثيرها في الهضم وحركة الجهاز الهضمي وتفاعلها مع الإشارات المرتبطة بالشهية، لكن تأثير الألياف يختلف باختلاف نوعها وخصائصها وكمية تناولها، لذا لا يمكن افتراض أن جميع مصادر الألياف تؤثر في الشهية بالطريقة نفسها.

وتتأثر استجابة الشهية أيضًا بحجم الوجبة ومحتواها من الماء والطاقة وسرعة تناول الطعام، كما تلعب الإشارات القادمة من المعدة والأمعاء دورًا في تحديد مقدار الطعام الذي يستمر الإنسان في تناوله، لذا فإن تركيب الوجبة ككل قد يكون أكثر أهمية من التركيز على عنصر غذائي واحد عند الحديث عن الشبع.

ما علاقة النوم بالجوع والشهية؟

يرتبط النوم بتنظيم توازن الطاقة والشهية، وتشير الدراسات إلى أن تقليل مدة النوم قد يؤثر في تناول الطعام والاستجابة للمحفزات الغذائية، لكن العلاقة بين قلة النوم والشهية ليست ثابتة بنفس الطريقة لدى جميع الأشخاص، كما أن زيادة تناول الطعام بعد تقليل النوم لا يمكن تفسيرها دائمًا بزيادة الإحساس بالجوع وحده.

وهناك دراسات بحثت تأثير قلة النوم في هرمونات تنظيم الشهية مثل الجريلين واللبتين، لكن نتائج هذه الدراسات ليست متطابقة، لذا لا يمكن اختزال تأثير النوم في القول بأن قلة النوم تؤدي دائمًا إلى تغير محدد في هرمون واحد، وتشير الأدلة الحديثة إلى أن العلاقة بين النوم والشهية وتناول الطعام أكثر تعقيدًا من هذا التفسير المباشر.

وبناء عليه فإن النوم المنتظم يمثل جزءًا من العوامل المرتبطة بتنظيم الشهية، خاصة عندما تتكرر قلة النوم لفترات طويلة، ولا يعني ذلك أن تحسين النوم وحده كافٍ لتغيير الوزن أو علاج اضطرابات الشهية، ولكنه يأتي ضمن مجموعة أوسع من العوامل المؤثرة في توازن الطاقة.

كيف يؤثر النشاط البدني في الشهية؟

يمكن للنشاط البدني أن يؤثر في الشهية وتناول الطعام من خلال مجموعة من الآليات المرتبطة باستهلاك الطاقة والهرمونات والإشارات العصبية، لكن الاستجابة تختلف حسب الأشخاص وأنواع النشاط ومدته وشدته، لذا لا تؤدي ممارسة الرياضة بالضرورة إلى زيادة الشهية بدرجة تعادل كمية الطاقة التي تم استهلاكها أثناء النشاط.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن العلاقة بين النشاط البدني وتنظيم الشهية معقدة، وقد تظهر تغيرات في الإحساس بالجوع أو في بعض الهرمونات المرتبطة بالشهية بعد ممارسة النشاط، كما تشير نتائج حديثة إلى أن بعض أشكال النشاط البدني قد تخفض الجوع وتناول الطاقة على المدى القصير، مع اختلاف الاستجابة بحسب خصائص الأشخاص ونوع النشاط وظروف التجربة.

ويظل النشاط البدني جزءًا مهمًّا من نمط الحياة الصحي وتوازن الطاقة، لكن استخدامه بهدف التحكم في الشهية وحدها يعني تجاهُل تأثير النوم والنظام الغذائي والعوامل السلوكية والبيئية التي تمثل هي الأخرى عوامل مؤثرة في تنظيم تناول الطعام.

هل الشعور بالجوع بين الوجبات طبيعي؟

يمكن أن يكون الشعور بالجوع بين الوجبات جزءًا طبيعيًّا من تنظيم تناول الطعام، خاصة إذا مر وقت طويل منذ الوجبة السابقة أو كانت الوجبة صغيرة أو كان النشاط البدني مرتفعًا، كما تختلف المدة التي يشعر فيها الإنسان بالشبع من شخص إلى آخر ومن وجبة إلى أخرى.

وقد تتغير الشهية بصورة مؤقتة بسبب المرض أو تغير نمط النوم أو زيادة النشاط البدني أو الضغوط اليومية، كما يمكن أن تتأثر بتغير الروتين أو مواعيد تناول الطعام، ولكن لا يعني التغير العابر في الشهية بالضرورة وجود مشكلة صحية.

متى يحتاج تغير الشهية إلى تقييم؟

يستدعي تغير الشهية الانتباه حال كونه واضحًا أو مستمرًّا أو مصحوبًا بتغير غير مقصود في الوزن أو أعراض أخرى، فقد يرتبط فقدان الشهية المستمر بعدد من الحالات الصحية أو الأدوية أو المشكلات النفسية، كما يمكن أن ترتبط زيادة الشهية المستمرة ببعض الاضطرابات الصحية أو التغيرات الهرمونية أو الأدوية.

وتزيد أهمية التقييم الطبي عندما يصاحب تغير الشهية فقدان أو زيادة ملحوظة وغير مقصودة في الوزن، أو أعراض مستمرة، مثل التعب الشديد أو العطش والتبول المتكرر أو اضطرابات الجهاز الهضمي أو تغيرات أخرى غير معتادة، ويحدد الطبيب سبب التغير وفق الأعراض والتاريخ الصحي والفحص وما قد يلزم من فحوص

الخلاصة:

الجوع والشبع جزء من منظومة معقدة ينظم من خلالها الجسم تناول الطعام وتوازن الطاقة، وتتداخل فيها إشارات من الدماغ والجهاز الهضمي والأنسجة الدهنية مع الهرمونات والعوامل المرتبطة بمكونات الطعام والنوم والنشاط البدني والبيئة المحيطة، لذلك لا يمكن تفسير الشهية من خلال عامل واحد أو هرمون واحد.

وقد تساعد معرفة الفرق بين الجوع والشهية على فهم بعض أسباب الرغبة في تناول الطعام، كما يمكن لتركيب الوجبات والنوم المنتظم والنشاط البدني أن يؤثر في تنظيم الشهية، بينما يستحق التغير المستمر أو غير المبرر في الشهية تقييمًا طبيًا عندما يصاحبه تغير واضح في الوزن أو أعراض أخرى، ويظل الهدف هو فهم إشارات الجسم والتعامل معها ضمن نمط غذائي متوازن بدلًا من التعامل مع الجوع والشهية باعتبارهما إشارات منفصلة عن بقية العوامل المؤثرة في تناول الطعام.

الجوع والشبع1

المراجع:

1. Hong SH, Choi KM. Gut hormones and appetite regulation. Current Opinion in Endocrinology, Diabetes and Obesity. 2024;31(3):115-121. doi:10.1097/MED.0000000000000859. 

2. Althubeati S, Avery A, Tench CR, Lobo DN, Salter A, Eldeghaidy S. Mapping brain activity of gut-brain signaling to appetite and satiety in healthy adults: A systematic review and functional neuroimaging meta-analysis. Neuroscience and Biobehavioral Reviews. 2022;136:104603. doi:10.1016/j.neubiorev.2022.104603.

 3. Kohanmoo A, Faghih S, Akhlaghi M. Effect of short- and long-term protein consumption on appetite and appetite-regulating gastrointestinal hormones: A systematic review and meta-analysis of randomized controlled trials. Physiology and Behavior. 2020;226:113123. doi:10.1016/j.physbeh.2020.113123. 

4. Wanders AJ, van den Borne JJGC, de Graaf C, Hulshof T, Jonathan MC, Kristensen M, Mars M, Schols HA, Feskens EJM. Effects of dietary fibre on subjective appetite, energy intake and body weight: A systematic review of randomized controlled trials. Obesity Reviews. 2011;12(9):724-739. doi:10.1111/j.1467-789X.2011.00895.x. 

5. Evans CEL, et al. Cereal Fibers and Satiety: A Systematic Review. Nutrition Reviews. 2026. 

6. Zuraikat FM, Makarem N, St-Onge MP, et al. Effects of sleep restriction on metabolism-related parameters in healthy adults: A comprehensive review and meta-analysis of randomized controlled trials. Sleep Medicine Reviews. 2019;45:18-30. doi:10.1016/j.smrv.2019.02.002. 

7. Tajiri E, Yoshimura E, Tobina T, et al. Effects of sleep restriction on food intake and appetite under free-living conditions: A randomized crossover trial. Appetite. 2023;189:106998. doi:10.1016/j.appet.2023.106998. 

8. Tan SY, Tjahjono IE, Feyesa I, Hettiarachchi J, Kim N, Pennycuff R, Qawasmeh A, Tucker RM. Does Sleep Curtailment Stimulate Appetite, Motivation to Eat and Dietary Intake in Humans? A Narrative Synthesis of Evidence and Considerations for Future Studies. Journal of Sleep Research. 2026:e70358. doi:10.1111/jsr.70358. 

9. Li N, Wu M, Li Y. Acute Exercise Effects on Appetite and Energy Intake in People Living With Overweight and Obesity: A Systematic Review and Meta-Analysis. International Journal of Sport Nutrition and Exercise Metabolism. 2025;35(6):540-556. doi:10.1123/ijsnem.2025-0078.

الجوع والشهيةهرمونات الجوع والشبعأسباب الجوع المستمرالشبع بعد الأكلكيف ينظم الجسم الشهيةالجريلين واللبتينالعوامل المؤثرة في الشهيةمنصة استشير
أ.د آلاء أبو رية

كتابة وإعداد

أ.د آلاء أبو رية

أستاذة التغذية، وباحثة شاركت في العديد من الأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكّمة. أشرفت على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وشاركت في تقييمها ومناقشتها

أستاذة متخصصة في علوم التغذية وباحثة أكاديمية، شاركت في إعداد ونشر العديد من الأبحاث في مجلات علمية محكّمة. تتمتع بخبرة واسعة في الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه وتحكيمها ومناقشتها، ولها إسهامات علمية متميزة في تطوير المعرفة المتخصصة في مجال التغذية ودعم البحث الأكاديمي.

الأستاذية في علوم التغذيةحاصلة على دكتوراه علوم التغذيةحاصلة على ماجستير علوم التغذية

عند الحاجة إلى دعم متخصص

اختصاصيون في التغذية ونمط الحياة

الملاءمة تُحدد بعد التقييم. يمكن مراجعة المجال والمؤهلات والمواعيد في الملف قبل الحجز.

12 مشاهدة 0 تفاعل

قراءة تكمّل الصورة

تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.