الماء والترطيب.. لماذا يحتاج الجسم إلى السوائل وكيف نعرف احتياجاتنا اليومية منها؟
الماء ضروري للحفاظ على وظائف الجسم وتوازن السوائل وتنظيم الحرارة، لكن احتياجاته تختلف من شخص إلى آخر، فكم يحتاج الجسم من الماء يوميًا؟ ومتى تزداد الحاجة إلى السوائل؟ وما العلامات التي قد تشير إلى نقصها؟ التقرير يوضح الإجابات بصورة مبسطة ومدعومة بالمراجع العلمية.


محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.
يحتاج الجسم إلى الماء يوميًّا للحفاظ على وظائفه الحيوية، فهو يدخل في تنظيم حرارة الجسم ونقل المواد الغذائية والتخلص من الفضلات والمحافظة على حجم الدم وتوازن السوائل داخل الخلايا وخارجها، كما يعتمد الجسم على آليات دقيقة لتنظيم كمية الماء من خلال الإحساس بالعطش ووظائف الكلى والهرمونات المنظمة لتوازن السوائل، لذا لا يرتبط الترطيب الجيد بمجرد شرب كمية ثابتة من الماء يوميًّا، وإنما بتحقيق توازن مناسب بين ما يدخل الجسم من سوائل وما يفقده.
ما أهمية الماء للجسم؟
ترجع أهمية الماء إلى أنه من المكونات الأساسية في الجسم، حيث إنه يدخل في عدد كبير من العمليات الحيوية، فهو يعمل كوسط للتفاعلات الكيميائية، ويساعد على نقل المواد بين الأنسجة، ويدعم الدورة الدموية، ويسهم في التخلص من بعض الفضلات عن طريق الكلى، كما يساعد الجسم على تنظيم حرارته من خلال فقدان الحرارة مع التعرق وتبخر الماء من سطح الجلد، ويصبح الحفاظ على توازن الماء أكثر أهمية عندما ترتفع درجة الحرارة أو يزداد النشاط البدني أو ترتفع كمية السوائل المفقودة من الجسم
ولا يحصل الجسم على الماء من كوب الماء وحده، فإجمالي الماء الذي يحصل عليه الإنسان يشمل مياه الشرب والماء الموجود في المشروبات والأطعمة، إلى جانب كمية محدودة ينتجها الجسم خلال عمليات الأيض، لذا فإن تقييم مدخول الماء يعتمد على إجمالي ما يحصل عليه الجسم وليس على كمية الماء الصافي وحدها.
كيف يحافظ الجسم على توازن السوائل؟
يحافظ الجسم على توازن الماء من خلال مجموعة متكاملة من الآليات التي تنظم كمية السوائل الداخلة والخارجة، ويعتبر العطش من أهم الإشارات التي تدفع الإنسان إلى تناول السوائل، بينما تتحكم الكلى في كمية الماء التي يحتفظ بها الجسم أو يتخلص منها عن طريق البول، وتساعد هذه الآليات على الحفاظ على توازن سوائل الجسم وتركيز المواد الذائبة فيها ضمن نطاق مناسب في الظروف المعتادة.
ولا يعني اختلاف كمية الماء التي يشربها الأشخاص بالضرورة وجود اختلاف مماثل في مستوى الترطيب، فقد يستطيع الجسم المحافظة على توازن السوائل ضمن نطاق من كميات الماء المتناولة لدى الأشخاص الأصحاء في الظروف المعتادة، كما تتغير الاحتياجات وفق العمر والنشاط البدني والطقس والحالة الفسيولوجية وبعض الظروف الصحية.
كم يحتاج الجسم من الماء يوميًّا؟
لا توجد كمية واحدة من الماء تصلح لجميع الأشخاص، لذا تعتمد الجهات العلمية على قيم تسمى المدخول الكافي بدلاً من اعتبارها احتياجًا يوميًّا إلزاميًّا لكل فرد، وتوضح الأكاديميات الوطنية الأمريكية أن المدخول الكافي من إجمالي الماء يبلغ نحو 3.7 لتر يوميًّا للرجال البالغين و2.7 لتر للنساء البالغات، وتشمل هذه القيم الماء الموجود في المشروبات والأطعمة وليس مياه الشرب وحدها.
وتحدد الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية قيمة المدخول الكافي من إجمالي الماء بنحو 2.5 لتر يوميًّا للرجال البالغين و2 لتر للنساء البالغات، وتشمل هذه الكميات الماء القادم من مياه الشرب والمشروبات والرطوبة الموجودة في الطعام، ويعكس اختلاف القيم بين الجهات العلمية اختلاف طرق تقدير الاحتياجات والبيانات السكانية المستخدمة، لذا لا يجب تحويل أي رقم منها إلى قاعدة ثابتة لجميع الأشخاص.
هل تختلف احتياجات الماء من شخص إلى آخر؟
تختلف الحاجة إلى السوائل بحسب مجموعة من العوامل، فقد تزداد مع ممارسة النشاط البدني أو التعرق أو التعرض لدرجات حرارة مرتفعة، كما يمكن أن تتغير أثناء الحمل والرضاعة ومع بعض الحالات التي تؤدي إلى فقدان السوائل مثل القيء والإسهال والحمى، ويحتاج بعض الأشخاص إلى ضبط كمية السوائل وفق توصية طبية خاصة عند وجود أمراض أو علاجات تؤثر في توازن الماء والأملاح.
ولا يعني ذلك أن الشخص يحتاج إلى مراقبة كمية الماء بصورة دقيقة طوال اليوم، ففي الظروف المعتادة يستطيع الجسم تنظيم توازنه من خلال العطش ووظائف الكلى، بينما تصبح الحاجة إلى الانتباه للسوائل أكبر عندما ترتفع كمية الفقد أو تقل القدرة على تعويضها.
متى تزيد حاجة الجسم إلى السوائل؟
تزيد الحاجة إلى السوائل عندما يفقد الجسم الماء بمعدل أعلى من المعتاد، ويظهر ذلك بوضوح أثناء ممارسة الرياضة أو العمل في الأجواء الحارة أو التعرق الشديد، كما يمكن أن ترتفع الحاجة أثناء الإصابة بالحمى أو القيء أو الإسهال، وفي هذه الحالات لا يعتمد الأمر على شرب الماء فقط، فقد يؤدي فقدان السوائل المصحوب بفقد الأملاح إلى الحاجة إلى تعويض السوائل والكهارل بحسب شدة الحالة وسببها.
ويختلف مقدار السوائل اللازم أثناء النشاط البدني من شخص إلى آخر بسبب اختلاف معدل التعرق وشدة النشاط ومدة المجهود والظروف المناخية، لذا لا توجد كمية موحدة يمكن تطبيقها على جميع الأشخاص أثناء ممارسة الرياضة، كما أن الإفراط في الشرب خلال المجهود الطويل قد يؤدي في ظروف معينة إلى انخفاض تركيز الصوديوم في الدم، خاصة عندما يتجاوز تناول السوائل قدرة الجسم على التخلص من الماء.
كيف نعرف أن الجسم يحتاج إلى مزيد من السوائل؟
قد يظهر نقص السوائل من خلال العطش وجفاف الفم والشفاه وقلة التبول وزيادة تركيز لون البول أو تحوله إلى لون أغمق والشعور بالتعب أو الدوار، وتعتبر هذه العلامات مفيدة للتنبه إلى احتمال نقص السوائل، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد درجة الجفاف في جميع الحالات.
ويستخدم لون البول أحيانًا كمؤشر عملي تقريبي لحالة الترطيب، وتشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين لون البول وبعض مؤشرات حالة السوائل لدى البالغين، مع وجود حدود لهذه الطريقة واختلاف دقتها بحسب العمر والظروف، لذا لا ينبغي الاعتماد على لون البول وحده باعتباره اختبارًا طبيًّا دقيقًا لحالة السوائل.
كما أن الشعور بالعطش وكمية البول ولونه يمكن أن توفر إشارات يومية مفيدة عند الشخص السليم، بينما يحتاج تقييم الجفاف السريري إلى علامات وفحوص أكثر دقة عندما تكون الحالة شديدة أو عندما توجد عوامل مرضية تؤثر في توازن السوائل.
ماذا يحدث عند نقص السوائل أو الإفراط في شرب الماء؟
يحدث الجفاف عندما يفقد الجسم سوائل أكثر مما يحصل عليه، وقد يبدأ بأعراض بسيطة مثل العطش والتعب والدوخة وجفاف الفم وقلة التبول، ويمكن أن يصبح أكثر خطورة مع استمرار فقد السوائل وعدم تعويضها، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يفقدون السوائل بسبب القيء أو الإسهال أو التعرق الشديد.
ولا يعني الحفاظ على الترطيب أن شرب كميات أكبر من الماء يكون أفضل دائمًا، فالإفراط السريع في تناول الماء قد يتجاوز قدرة الكلى على التخلص منه، مما قد يؤدي إلى انخفاض تركيز الصوديوم في الدم، وهي حالة قد تكون خطيرة في الحالات الشديدة، ولهذا ينبغي أن يكون تناول السوائل متناسبًا مع احتياجات الجسم وفقده.
وأظهرت مراجعة منهجية نُشرت عام 2024 وشملت 18 تجربة عشوائية أن زيادة تناول الماء قد ترتبط بفوائد محتملة في بعض النتائج الصحية، خاصة فيما يتعلق بفقدان الوزن وتقليل حدوث حصوات الكلى، مع وجود نتائج محدودة أو غير حاسمة بالنسبة إلى نتائج صحية أخرى، ولذلك خلص الباحثون إلى أن الأدلة المتاحة ما زالت محدودة وتحتاج إلى مزيد من الدراسات لتحديد الفوائد الصحية لزيادة تناول الماء بصورة أوضح
الخلاصة:
الماء عنصر أساسي للحفاظ على وظائف الجسم وتوازن السوائل وتنظيم الحرارة، لكن احتياجاته تختلف من شخص إلى آخر ولا يمكن اختزالها في رقم ثابت يصلح للجميع، ويشمل إجمالي الماء ما يأتي من مياه الشرب والمشروبات والأطعمة، وتزداد الحاجة إلى السوائل عند ارتفاع الحرارة أو زيادة النشاط البدني أو حدوث فقد للسوائل بسبب المرض، بينما يمكن أن يكون الإفراط في شرب الماء ضارًا في بعض الظروف، لذلك يبقى الهدف هو الحفاظ على ترطيب مناسب يتوافق مع احتياجات الجسم وظروفه بدلًا من السعي إلى شرب أكبر كمية ممكنة من الماء

المراجع:
National Academies of Sciences, Engineering, and Medicine. Dietary Reference Intakes for Water, Potassium, Sodium, Chloride, and Sulfate. National Academies Press
European Food Safety Authority. Scientific Opinion on Dietary Reference Values for Water. EFSA Journal
Hakam N, Guzman Fuentes JL, Nabavizadeh B, et al. Outcomes in Randomized Clinical Trials Testing Changes in Daily Water Intake: A Systematic Review. JAMA Network Open. 2024;7(11):e2447621
Hew Butler T, Rosner MH, Fowkes Godek S, et al. Statement of the Third International Exercise Associated Hyponatremia Consensus Development Conference. British Journal of Sports Medicine. 2015;49:1432–1446

كتابة وإعداد
ندى مكرم
أخصائية وباحثة في التغذيةتتمتع بخبرة في التغذية العلاجية وإدارة خدمات التغذية والتغذية الرياضية
أخصائية تغذية حاصلة على بكالوريوس التغذية وعلوم الأطعمة مع مرتبة الشرف، وماجستير في التغذية. تتمتع بخبرة في التغذية العلاجية وإدارة خدمات التغذية والتغذية الرياضية إلى جانب إعداد الخطط الغذائية العلاجية وتطبيق معايير سلامة الغذاء.
عند الحاجة إلى دعم متخصص
اختصاصيون في التغذية ونمط الحياة
الملاءمة تُحدد بعد التقييم. يمكن مراجعة المجال والمؤهلات والمواعيد في الملف قبل الحجز.
قراءة تكمّل الصورة
مقالات مرتبطة بالموضوع
كل المقالات
التغذية ونمط الحياة8 دقائقالتغذية الرياضية: ماذا تأكل قبل وبعد التمرين؟
ماذا تأكل قبل وبعد التمرين؟ تعرف على أفضل اختيارات الطعام والشراب لدعم الطاقة والأداء والتعافي، وكيف تختلف احتياجات الجسم حسب نوع التمرين ومدته وشدته والهدف من ممارسة الرياضة.
التغذية ونمط الحياة8 دقائقأنيميا نقص الحديد: الأسباب والأعراض والتشخيص والعلاج والوقاية (دليل شامل)
أنيميا نقص الحديد من أكثر أنواع فقر الدم شيوعًا، وتحدث عندما لا يتوافر للجسم ما يكفي من الحديد لإنتاج الهيموجلوبين. تعرف على أسباب نقص الحديد وأعراضه، وطرق التشخيص والعلاج والوقاية، ومتى يحتاج نقص الحديد إلى تقييم طبي.
التغذية ونمط الحياة7 دقائقالتغذية الصحية للأطفال حسب العمر: كيف تختلف احتياجات الطفل من مرحلة إلى أخرى؟
تختلف احتياجات الطفل الغذائية مع العمر والنمو، من الرضاعة والأطعمة التكميلية في السنة الأولى إلى التغذية المتوازنة في مرحلة ما قبل المدرسة وسن المدرسة. تعرف على أسس التغذية الصحية للأطفال، والأطعمة المناسبة لكل مرحلة، ومتى يحتاج الطفل إلى تقييم متخصص.
تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.

