الوصمة النفسية.. الخوف من نظرة الناس للعلاج النفسي والتردد في طلب المساعدة
قد يحتاج الإنسان إلى دعم نفسي، لكنه يتردد في طلبه خوفًا من أحكام الآخرين أو من أن يُنظر إليه باعتباره ضعيفًا. تعرّف إلى تأثير الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي في طلب المساعدة، وأسباب الخوف من نظرة المجتمع، والخطوات التي تساعد على تجاوز هذا التردد.


محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.
قد يدرك الإنسان أن معاناته النفسية بدأت تؤثر في نومه أو علاقاته أو قدرته على العمل، ورغم ذلك يتردد في التفكير في: متى أذهب إلى طبيب نفسي؟ لتقييم حالته، وقد يرتبط هذا التردد بالخوف من أحكام الآخرين، أو من وصفه بالضعف، أو أن تؤثر معاناته في صورته الاجتماعية والمهنية، وهنا تظهر الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي، التي قد تجعل قرار طلب المساعدة صعبًا حتى عندما يشعر الشخص بأنه يحتاج إلى الدعم.
ولا تقتصر الوصمة على التعليقات الساخرة أو الأحكام السلبية الصادرة عن الآخرين، فقد يتبنى الشخص هذه الأفكار ويحكم بها على نفسه، فيخجل من معاناته أو يعتقد أن عليه تجاوزها بمفرده، ويساعد فهم هذه الظاهرة على التمييز بين الاحتياج إلى الرعاية والخوف من نظرة المجتمع، وتشجيع التعامل مع المشكلات النفسية بوعي واحترام.
ما المقصود بالوصمة المرتبطة بالمرض النفسي؟
تشير الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي إلى الصور النمطية والأحكام السلبية والممارسات التمييزية التي يتعرض لها الشخص بسبب معاناته النفسية أو لجوئه إلى العلاج، وقد تظهر في السخرية ممن يتلقى علاجًا نفسيًّا، أو التشكيك في قدرته على تحمل المسئولية، أو التعامل معه وفق تشخيصه بدلاً من النظر إلى شخصيته وظروفه كاملة.
ويمكن فهم الوصمة من خلال 3 مستويات مترابطة، الأول هو الوصمة الاجتماعية التي تظهر في المعتقدات والأحكام المسبقة لدى الآخرين، والثاني هو الوصمة الذاتية عندما يتبنى الشخص هذه الأحكام ويطبقها على نفسه، فيشعر بالخجل أو يقلل من قيمة معاناته، أما الثالث فهو الوصمة المؤسسية التي تظهر في السياسات أو الممارسات التي تؤدي إلى معاملة غير عادلة أو تحد من فرص الأشخاص الذين يعانون مشكلات نفسية في الحصول على الخدمات والحقوق.
وترتبط بهذه المستويات 3 مكونات أساسية: الصور النمطية، والأحكام المسبقة، والتمييز، فالاعتقاد بأن المصاب باضطراب نفسي ضعيف يمثل صورة نمطية وتبنِّي موقف سلبي منه بناء على هذا الاعتقاد يمثل حكمًا مسبقًا، أما حرمانه من فرصة بسبب حالته النفسية فيمثل تمييزًا، ويساعد هذا التفريق على فهم الوصمة بدلًا من اختزالها في السخرية أو الكلمات الجارحة فقط.
كيف تؤثر الوصمة في قرار طلب المساعدة؟
قد تجعل الوصمة الشخص يتجنب الإفصاح عن معاناته أو يؤجل استشارة متخصص، من خلال عدة آليات.
الخوف من انكشاف المعاناة: قد يقلق الشخص من معرفة أسرته أو زملائه بأنه يتلقى علاجًا نفسيًا، أو من تداول معلوماته الخاصة، فيؤجل طلب المساعدة خشية السخرية أو الرفض.
ربط المعاناة بالضعف: قد يعتقد البعض أن الشخص القوي يجب أن يتحمل الضغوط وحده، وأن الاستعانة بمتخصص دليل على العجز، ويزيد هذا الاعتقاد الشعور بالذنب ويجعل الاعتراف بالمشكلة أكثر صعوبة.
القلق بشأن العمل والعلاقات: قد يخشى الشخص أن يؤثر التشخيص النفسي في سمعته أو علاقاته أو فرصه المهنية، وتتفاوت هذه المخاوف بحسب البيئة الاجتماعية والقوانين المعمول بها ومدى حماية الخصوصية.
الوصمة الذاتية: عندما يصدق الشخص الأحكام السلبية عن المرض النفسي، فقد يصف نفسه بأنه ضعيف أو غير قادر على مواجهة الحياة، ويقلل من أهمية الأعراض التي يعانيها، حتى عندما تؤثر في أدائه اليومي.
وجدت مراجعة منهجية شملت 144 دراسة و90,189 مشاركًا ارتباطًا سلبيًّا بين الوصمة وطلب المساعدة النفسية، وبلغ وسيط الارتباط -0.27، وهو ارتباط سلبي صغير إلى متوسط، وكانت مخاوف الإفصاح عن المعاناة من أبرز العوائق المرتبطة بالوصمة، ولا تعني هذه النتيجة أن الوصمة تمنع الجميع من طلب العلاج أو أنها السبب الوحيد للتأخر فيه.

هل الوصمة هي السبب الوحيد لتأخير العلاج؟
لا، فقد يتأخر طلب المساعدة بسبب تكلفة الجلسات، أو صعوبة الوصول إلى متخصص مناسب، أو نقص المعلومات عن الخدمات المتاحة، أو مخاوف الخصوصية والثقة، أو عدم معرفة الفرق بين الطبيب النفسي والأخصائي النفسي وتحديد أي منهما يناسب الحالة
وتناولت مراجعة منهجية شملت 74 دراسة تجارب البالغين العرب في طلب المساعدة النفسية، ورصدت الوصمة إلى جانب عوائق أخرى، منها الخصوصية والسرية والثقة والمعرفة بالصحة النفسية والعوامل العملية والثقافية، ولا تسمح نتائج هذه المراجعة بتعميم تجربة واحدة على جميع المجتمعات العربية، فالظروف والمواقف تختلف بين الأفراد والبيئات.
ومن المهم التمييز بين الاستعانة بالأهل والأصدقاء والحصول على تقييم متخصص عند الحاجة، فقد يوفر الدعم الاجتماعي مساندة مهمة، لكنه لا يغني دائمًا عن الرعاية المهنية، خاصة عندما تستمر الأعراض أو تعطل الحياة اليومية.
كيف تسهم الأسرة والإعلام في تقليل الوصمة؟
تؤثر اللغة المستخدمة في الحديث عن الصحة النفسية في طريقة فهم الناس للمعاناة وطلب العلاج، فالسخرية من المرض النفسي أو استخدام التشخيصات كأوصاف مهينة قد يعززان الخوف من الإفصاح، بينما يساعد الاستماع دون لوم على تشجيع الشخص على التعبير عن احتياجاته.
ويمكن للأسرة تقليل الوصمة من خلال احترام خصوصية الشخص، وتجنب التقليل من معاناته أو اتهامه بالمبالغة، وتشجيعه على استشارة متخصص دون إجباره على كشف تفاصيله للآخرين.
كذلك يسهم الإعلام في تشكيل التصورات العامة، لذا ينبغي أن يقدم معلومات دقيقة، ويتجنب تصوير الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية باعتبارهم خطرًا أو عاجزين بالضرورة عن إدارة حياتهم، فالأعراض والاحتياجات والاستجابة للعلاج تختلف من شخص إلى آخر، ولا يصح اختزال الإنسان في تشخيصه.
كيف تتعامل مع الوصمة إذا كانت تمنعك من طلب المساعدة؟
إذا كان الخوف من أحكام الآخرين يجعلك مترددًا في طلب الدعم، فقد تساعدك الخطوات التالية:
أولاً: افصل بين معاناتك وقيمتك الشخصية، فوجود مشكلة نفسية لا يحدد أخلاقك أو قدراتك، ولا يقلل من استحقاقك للاحترام.
ثانيًا: تحقق من المعلومات التي تستند إليها مخاوفك، يمكنك سؤال متخصص عن تشخيص الاضطرابات النفسية وطبيعة خطوات التقييم وحدود السرية المهنية وفق القواعد المعمول بها
ثالثًا: اختر شخصًا موثوقًا به للحديث معه إذا احتجت إلى الدعم، دون أن تشعر بأنك ملزم بإخبار الجميع بتفاصيلك الشخصية.
رابعًا: اطلب تقييمًا مناسبًا إذا كانت الأعراض مستمرة أو تؤثر في نومك أو عملك أو علاقاتك، واقرأ أكثر عن ما هو العلاج النفسي وكيف يعمل، فلا يشترط أن تصل المعاناة إلى مرحلة شديدة حتى تستشير متخصصًا.
خامسًا: استفسر مسبقًا عن الخصوصية والتكاليف وخيارات العلاج المتاحة إذا كانت هذه الأمور مصدر قلق لك، حتى تتمكن من اتخاذ قرار يناسب ظروفك.
وتظل مواجهة الوصمة مسئولية مشتركة، فلا يكفي مطالبة الشخص بتجاوز مخاوفه، وإنما يتطلب الأمر بيئات أسرية ومهنية وصحية تحترم الخصوصية وتحد من التمييز.
الأسئلة الشائعة
هل الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي تمنع طلب العلاج دائمًا؟
لا، لكنها قد تزيد التردد أو تؤخر طلب المساعدة لدى بعض الأشخاص، ويتأثر القرار بعوامل أخرى، منها شدة الأعراض وتوافر الخدمات والتكلفة والدعم الاجتماعي والثقة في مقدمي الرعاية.
ما الفرق بين الوصمة الاجتماعية والوصمة الذاتية؟
الوصمة الاجتماعية هي الأحكام السلبية والصور النمطية التي يتبناها الآخرون، أما الوصمة الذاتية فتحدث عندما يصدق الشخص هذه الأحكام ويطبقها على نفسه، ما قد يزيد شعوره بالخجل ويقلل استعداده لطلب الدعم.
كيف أساعد شخصًا يخشى نظرة المجتمع إلى العلاج النفسي؟
استمع إليه دون سخرية أو لوم، واحترم خصوصيته، وتجنب وصفه بالضعف أو المبالغة، ويمكنك تشجيعه على استشارة متخصص ومساعدته في معرفة الخيارات المتاحة، مع احترام قراره وعدم الضغط عليه.

المراجع
Clement, S., Schauman, O., Graham, T., Maggioni, F., Evans-Lacko, S., Bezborodovs, N., Morgan, C., Rüsch, N., Brown, J. S. L., & Thornicroft, G. (2015). What is the impact of mental health-related stigma on help-seeking? A systematic review of quantitative and qualitative studies. Psychological Medicine, 45(1), 11–27. https://doi.org/10.1017/S0033291714000129
El Khatib, H., Alyafei, A., & Shaikh, M. (2023). Understanding experiences of mental health help-seeking in Arab populations around the world: A systematic review and narrative synthesis. BMC Psychiatry, 23, Article 324. https://doi.org/10.1186/s12888-023-04827-4

كتابة وإعداد
مادونا نشأت
أخصائية نفسية إكلينيكية
أخصائية نفسية إكلينيكية تهتم بتبسيط الوعي النفسي وتقديم محتوى مهني يساعد القارئ على فهم حالته واتخاذ خطوة آمنة.
عند الحاجة إلى دعم متخصص
اختصاصيون في الصحة النفسية
الملاءمة تُحدد بعد التقييم. يمكن مراجعة المجال والمؤهلات والمواعيد في الملف قبل الحجز.
قراءة تكمّل الصورة
مقالات مرتبطة بالموضوع
كل المقالات
الصحة النفسية6 دقائققلق الانفصال عند البالغين: الأعراض والأسباب ومتى يحتاج إلى علاج؟
قلق الانفصال عند البالغين قد يتجاوز الاشتياق الطبيعي إلى شخص مقرب، فيتحول إلى خوف مستمر يؤثر في النوم والعمل والعلاقات. تعرف على أعراضه وأسبابه، والفرق بينه وبين الغيرة والاعتمادية العاطفية، ومتى يحتاج إلى تقييم وعلاج نفسي.
الصحة النفسية6 دقائقالتسويف المرتبط بالقلق: لماذا نؤجل المهام رغم رغبتنا في إنجازها؟
لماذا نؤجل المهام رغم رغبتنا في إنجازها؟ اكتشف كيف يسهم القلق والخوف من الفشل والمثالية في التسويف، وتعرّف على خطوات عملية تساعدك على البدء والتعامل مع التأجيل المتكرر.
الصحة النفسية5 دقائقالاكتئاب عند الأطفال: علامات خفية ومتى يحتاج الطفل إلى مساعدة؟
قد لا يظهر الاكتئاب عند الأطفال في صورة حزن واضح، فقد يبدو الطفل سريع الغضب، أو يفقد اهتمامه باللعب، أو ينسحب من أصدقائه وتتراجع دراسته، تعرف على العلامات التي تستحق الانتباه، ومتى يحتاج الطفل إلى تقييم متخصص وكيف يدعم الأهل طفلهم.
تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.
