تشخيص الاضطرابات النفسية: خطوات التقييم ومعايير
كيف يشخص الطبيب الاضطرابات النفسية؟ تعرّف على خطوات التقييم النفسي، ومعايير التشخيص المعتمدة، ودور المقابلة السريرية والفحوص والاختبارات النفسية في تحديد الحالة.


محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.
قد يمر الإنسان بفترات من القلق أو الحزن أو اضطراب النوم أو صعوبة التركيز، وقد تستمر هذه الأعراض وتؤثر في عمله وعلاقاته وحياته اليومية، فكيف يحدد الطبيب ما إذا كانت هذه الأعراض استجابة مؤقتة لضغوط الحياة أم علامة على اضطراب نفسي يحتاج إلى تقييم وعلاج؟
يعتمد تشخيص الاضطرابات النفسية على تقييم سريري يجمع بين طبيعة الأعراض ومدتها وشدتها وتأثيرها في الحياة اليومية، مع مراجعة التاريخ الصحي والنفسي والظروف المحيطة بالشخص، ولا يعتمد التشخيص على عرض منفرد أو اختبار واحد، ولكن على مجموعة من المعلومات التي تساعد الطبيب على تحديد الحالة وتمييزها عن الحالات الأخرى المتشابهة.
كيف يشخص الطبيب الاضطرابات النفسية؟
يبدأ التشخيص بمقابلة سريرية يجمع خلالها الطبيب معلومات عن الأعراض الحالية وتاريخ ظهورها، ثم يقارنها بـ المعايير التشخيصية المعتمدة، وقد يحتاج إلى مقابلات إضافية أو فحوص طبية عند الضرورة، وفق طبيعة الأعراض ومدى تعقيد الحالة.
المقابلة السريرية وفهم الأعراض
يسأل الطبيب عن المشكلة التي دفعت الشخص إلى طلب المساعدة، وكيف بدأت، ومدى تكرارها، والمواقف التي تزيدها أو تخففها، وقد يستفسر عن المشاعر والأفكار والسلوكيات والتغيرات في النوم والشهية والطاقة والتركيز.
ولا يكتفي الطبيب بوصف عام مثل الشعور بالحزن أو الخوف، بل يحاول فهم توقيت الأعراض وطريقة تطورها ومدى تأثيرها في حياة الشخص، وتساعد هذه المعلومات على التمييز بين حالات تتشابه في بعض المظاهر وتختلف في طبيعتها.
مراجعة التاريخ النفسي والطبي
يتعرف الطبيب على التاريخ النفسي السابق، والتشخيصات والعلاجات السابقة ومدى الاستفادة منها، كما يسأل عن الأمراض المزمنة والأدوية المستخدمة، وقد يستفسر عن التاريخ العائلي للاضطرابات النفسية والضغوط الاجتماعية والأسرية والمهنية والتجارب الصعبة التي مر بها الشخص.
ويساعد ذلك على تحديد العوامل المرتبطة بالأعراض، والكشف عن أسباب صحية أو تأثيرات دوائية قد تسهم في ظهورها.
فحص الحالة العقلية
يشمل فحص الحالة العقلية ملاحظة المظهر العام والسلوك وطريقة الكلام والمزاج وطبيعة التفكير والانتباه والذاكرة والإدراك، ويقيِّم الطبيب كذلك قدرة الشخص على أداء مسئولياته ومدى إدراكه للواقع ومؤشرات الخطر عند وجود ما يستدعي ذلك.
ويفسر الطبيب هذه الملاحظات في ضوء المقابلة والتاريخ الصحي، ولا يعتمد على مظهر الشخص أو انطباع منفرد لتحديد التشخيص.
ما المعايير التي يعتمد عليها الطبيب لتشخيص الاضطراب النفسي؟
يستعين المتخصصون بأدلة تشخيصية معتمدة، من أبرزها الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، النسخة الخامسة المنقحة (DSM-5-TR)، والتصنيف الدولي للأمراض في نسخته الحادية عشرة (ICD-11).
تحدد هذه الأدلة السمات والمعايير الخاصة بكل اضطراب، وتشمل طبيعة الأعراض وعددها ومدتها وشدتها وتأثيرها في الحياة اليومية، وتختلف الشروط من اضطراب إلى آخر، كما يراعي الطبيب عمر الشخص وسياقه الثقافي والظروف التي ظهرت فيها الأعراض.
ولا يكفي تشابه عرض واحد مع وصف اضطراب معين لإثبات التشخيص، فقد يظهر العرض نفسه في حالات مختلفة، لذاس يبحث الطبيب عن النمط الكامل للأعراض، ويتحقق من استيفاء المعايير المطلوبة، ويقارن بين التفسيرات المحتملة للحالة.
وتُعرَف عملية التمييز بين الاضطرابات المتشابهة، أو بين اضطراب نفسي ومشكلة صحية تسبب أعراضًا مشابهة، بالتشخيص التفريقي.

هل يحتاج تشخيص الاضطرابات النفسية إلى تحاليل أو اختبارات؟
لا يوجد تحليل دم واحد يكشف جميع الاضطرابات النفسية، ولا يوجد اختبار موحد يصلح لتشخيصها كلها، ويحدد الطبيب الحاجة إلى الفحوص وفق الأعراض والتاريخ الصحي والاحتمالات الطبية التي تستدعي التحقق منها.
الفحص الطبي والتحاليل
قد يطلب الطبيب تحاليل للدم أو فحوصًا أخرى عند الاشتباه في مشكلة صحية قد تسبب أعراضًا مشابهة للأعراض النفسية أو تزيدها، مثل بعض اضطرابات الغدة الدرقية أو تأثيرات الأدوية، وقد يوصي بتقييم عصبي أو فحوص متخصصة إذا أشارت الحالة إلى ضرورة ذلك.
المقاييس والاختبارات النفسية
قد يستخدم الطبيب أو الأخصائي النفسي استبيانات ومقاييس لتقدير شدة الأعراض أو متابعة تغيرها، مثل مقاييس القلق والاكتئاب، وتوفر هذه الأدوات معلومات تساعد في التقييم، لكنها لا تثبت التشخيص أو تنفيه بمفردها.
هل يمكن تشخيص الاضطراب النفسي من جلسة واحدة؟
قد تتضح بعض الحالات خلال مقابلة واحدة إذا كانت المعلومات كافية والمعايير واضحة، بينما تحتاج حالات أخرى إلى عدة مقابلات أو متابعة تطور الأعراض بمرور الوقت.
وقد يؤجل الطبيب تثبيت التشخيص عندما تكون المعلومات غير مكتملة، أو تتداخل الأعراض بين أكثر من اضطراب، أو تحتاج بعض الاحتمالات الصحية إلى فحص إضافي، وقد يوثق الأعراض الحالية أو يضع تشخيصًا مبدئيًّا إلى أن تتوافر معلومات أكثر.
ولا يعني تأجيل التشخيص أن المعاناة غير حقيقية أو أن المساعدة غير ضرورية، حيث يمكن البدء في تقديم الدعم المناسب والتعامل مع الأعراض بالتزامن مع استكمال التقييم.
ما الفرق بين الأعراض النفسية والاضطراب النفسي؟
قد يشعر الإنسان بالحزن بعد فقد شخص عزيز أو بالقلق قبل امتحان أو مقابلة عمل أو بالتوتر خلال فترة من الضغوط، ولا تعني هذه المشاعر وحدها وجود اضطراب نفسي، لأن السياق ومدة الأعراض وشدتها وتأثيرها عوامل أساسية في التقييم.
يصبح التقييم المتخصص مهمًّا في العلاج النفسي عندما تستمر الأعراض أو تتكرر، أو تسبب معاناة شديدة، أو تعوق العمل والدراسة والعلاقات والعناية بالنفس، ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات العامة لتحديد تشخيص بعينه، لأن لكل اضطراب معاييره الخاصة.
كما أن طلب المساعدة لا يتطلب انتظار تدهور الحالة أو العجز عن أداء المسئوليات اليومية.
كيف تستعد لموعد التقييم النفسي؟
يمكن الاستعداد للمقابلة بتدوين الأعراض ووقت بدايتها ومدى تكرارها وتأثيرها في الحياة اليومية، ومن المفيد إعداد قائمة بالأدوية والمكملات المستخدمة، وذكر المشكلات الصحية والعلاجات النفسية السابقة إن وجدت.
ويُفضَّل الإجابة بوضوح عن أسئلة الطبيب، والاستفسار عن أي نقطة غير مفهومة، ويمكن أيضًا سؤاله عن الاحتمالات التشخيصية ومدى وضوحها والخطوات التالية، بما في ذلك الحاجة إلى فحوص إضافية أو متابعة.
ومن المهم الإفصاح عن أفكار إيذاء النفس أو الانتحار أو أي خطر مباشر، لأنها معلومات أساسية لتحديد مستوى الأمان والحاجة إلى تدخل عاجل، وإذا كان الخطر وشيكًا، فينبغي طلب المساعدة الطارئة دون انتظار الموعد المعتاد.
الأسئلة الشائعة
هل يستطيع الأخصائي النفسي تشخيص الاضطرابات النفسية؟
يعتمد ذلك على مؤهلات الأخصائي وتدريبه ونطاق ممارسته المهنية والأنظمة المنظمة للمهنة في البلد المعني، ويستطيع الأخصائي المؤهل إجراء التقييم النفسي واستخدام أدوات القياس ضمن نطاق اختصاصه، بينما يتميز الطبيب النفسي بتدريبه الطبي المتخصص، الذي يتيح له تقييم الأسباب الطبية ووصف الأدوية وفق الأنظمة المعمول بها.
هل يمكن أن يتغير التشخيص النفسي بمرور الوقت؟
نعم، فقد تظهر معلومات جديدة خلال المتابعة، أو يتغير نمط الأعراض ومدتها، أو تتضح عوامل لم تكن ظاهرة في التقييم الأول، عندها قد يراجع الطبيب التشخيص أو يعدله وفق المعلومات الجديدة.
هل نتيجة اختبار القلق أو الاكتئاب تعني وجود اضطراب نفسي؟
لا.. تشير نتيجة المقياس إلى مستوى الأعراض وفق الأداة المستخدمة، لكنها لا تثبت التشخيص بمفردها، ويحتاج تحديد الاضطراب إلى تقييم سريري يراعي المعايير التشخيصية والسياق الصحي والنفسي للشخص.

المراجع
American Psychiatric Association. (2015). The American Psychiatric Association practice guidelines for the psychiatric evaluation of adults (3rd ed.). American Psychiatric Association Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890426760
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Association Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
National Health Service. (n.d.). Mental health assessments. https://www.nhs.uk/mental-health/social-care-and-your-rights/mental-health-assessments/
World Health Organization. (2024). Clinical descriptions and diagnostic requirements for ICD-11 mental, behavioural and neurodevelopmental disorders. World Health Organization. https://www.who.int/publications/i/item/9789240077263

كتابة وإعداد
بدور غريب
أخصائية نفسية إكلينيكية وباحثة ماجستير في علم النفس الإكلينيكي بقسم علم النفس – جامعة العاصمة
أخصائية نفسية إكلينيكية وباحثة ماجستير، لديها خبرة في تقديم الجلسات النفسية الفردية والجماعية والإرشاد الزواجي والأسري، والتعامل مع القلق والاكتئاب والوسواس القهري واضطرابات الشخصية والصدمات النفسية. تعتمد في عملها على عدد من المداخل العلاجية، منها CBT وDBT وACT وIPT.
عند الحاجة إلى دعم متخصص
اختصاصيون في الصحة النفسية
الملاءمة تُحدد بعد التقييم. يمكن مراجعة المجال والمؤهلات والمواعيد في الملف قبل الحجز.
قراءة تكمّل الصورة
مقالات مرتبطة بالموضوع
كل المقالات
الصحة النفسية6 دقائقاجترار الأفكار: لماذا نعيد التفكير في المواقف الماضية وكيف نتوقف؟
اجترار الأفكار هو تكرار التفكير في المواقف الماضية والأخطاء والحوارات المزعجة دون الوصول إلى حلول واضحة،. تعرّف على أسبابه وتأثيره في الصحة النفسية، وطرق عملية للحد منه، ومتى تحتاج إلى مساعدة متخصصة.
الصحة النفسية5 دقائقاضطراب نهم الطعام: الأعراض والأسباب وطرق العلاج
اضطراب نهم الطعام من اضطرابات الأكل التي تتسم بنوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام مع الشعور بفقدان السيطرة، وقد يصاحبها ضيق نفسي وشعور بالذنب. تعرّف على الأعراض والأسباب، والفرق بين النهم والإفراط العابر في الأكل، وطرق التشخيص والعلاج.
الصحة النفسية6 دقائقالعلاج الجدلي السلوكي: ما هو وكيف يساعد على تنظيم المشاعر؟
يساعد العلاج الجدلي السلوكي (DBT) على تنمية مهارات تنظيم المشاعر وتحمل الضغوط وتحسين العلاقات. تعرّف إلى أسسه، والحالات التي قد يفيد فيها، وكيف تُطبَّق مهاراته ضمن برنامج علاجي منظم.
تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.
