العودة إلى المدونة

القلق الاجتماعي.. متى يتحول الخوف من تقييم الآخرين إلى اضطراب؟

ليس كل خجل اضطرابًا، لكن عندما يتحول الخوف من حكم الآخرين وتقييمهم إلى عائق يحرمك من فرصك الحياتية، يصبح القلق الاجتماعي حالة تستدعي الفهم والعلاج.

مادونا نشأت
مادونا نشأت
5 دقائق قراءة
القلق الاجتماعي.. متى يتحول الخوف من تقييم الآخرين إلى اضطراب؟

محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.

قد يشعر بعض الأشخاص بالتوتر قبل التحدث أمام الآخرين، أو عند مقابلة أشخاص جدد، أو في موقف يشعرون فيه بأنهم محل أنظار الجميع. وهذا الشعور في حد ذاته طبيعي، لكن الأمر يختلف عندما يتحول الخوف من تقييم الآخرين إلى مصدر مستمر للقلق، ويدفع الشخص إلى تجنب مواقف اجتماعية مهمة في حياته.

ويعرف هذا الاضطراب باسم اضطراب القلق الاجتماعي، ويطلق عليه أحيانًا الرهاب الاجتماعي، وهو أحد اضطرابات القلق التي ترتبط بالخوف الشديد من المواقف التي قد يكون فيها الشخص موضع مراقبة أو تقييم أو حكم من الآخرين.

ما هو القلق الاجتماعي؟

يتمثل اضطراب القلق الاجتماعي في خوف شديد ومستمر من بعض المواقف الاجتماعية أو مواقف الأداء أمام الآخرين، بسبب الاعتقاد بأن الشخص قد يتعرض للإحراج أو الانتقاد أو الحكم السلبي.

وقد يظهر هذا الخوف عند التحدث مع أشخاص غير مألوفين، أو بدء محادثة، أو التحدث أمام مجموعة، أو إجراء مقابلة عمل، أو المشاركة في الفصل، أو تناول الطعام أمام الآخرين، أو حتى القيام ببعض الأنشطة اليومية التي يشعر الشخص خلالها بأنه مراقب أو معرض للتقييم.

ولا يرتبط القلق الاجتماعي بالخوف أثناء الموقف فقط، فقد يبدأ القلق قبل الحدث بفترة، ويستمر التفكير فيه بعد انتهائه، عندما يعيد الشخص تحليل ما قاله أو فعله ويبحث عن الأخطاء التي يعتقد أنه ارتكبها أمام الآخرين.

هل الخجل هو نفسه القلق الاجتماعي؟

ليس بالضرورة، فالشعور بالخجل أو عدم الارتياح في بعض المواقف الاجتماعية لا يعني تلقائيًّا وجود اضطراب. وقد تختلف درجة الراحة في التعامل مع الآخرين من شخص إلى آخر، بحسب الشخصية والتجارب السابقة والظروف المحيطة.

لكن اضطراب القلق الاجتماعي يكون أكثر من مجرد خجل أو عدم ارتياح في المواقف الاجتماعية، عندما يصبح الخوف شديدًا ومستمرًّا لدرجة تؤثر في الحياة اليومية، أو تدفع الشخص إلى تجنب مواقف اجتماعية معتادة رغم أهميتها بالنسبة إليه.

كيف يعرف الشخص أنه يخشى تقييم الآخرين؟

من أبرز ما يميز القلق الاجتماعي أن الشخص لا يخشى الموقف في حد ذاته بقدر ما يخشى الطريقة التي قد يراه بها الآخرون، لذا يفكر قبل الحديث في أنه قد يتلعثم، أو يقول شيئًا غير مناسب، أو يبدو مرتبكًا، أو يخطئ فيتصور أن الآخرين سيلحظون ذلك ويحكمون عليه بصورة سلبية.

وقد يصل الأمر إلى الانشغال حتى بعلامات القلق نفسها، مثل احمرار الوجه أو التعرق أو ارتجاف الصوت، لأن الشخص قد يخشى أن يلاحظ الآخرون هذه العلامات ويعتبرونها مصدرًا للإحراج.

هل الشخص المصاب بالقلق الاجتماعي لا يحب التعامل مع الناس؟

ليس بالضرورة أن يكون هذا الأمر صحيحًا، فقد يرغب الشخص المصاب بالقلق الاجتماعي في تكوين علاقات والتحدث مع الآخرين والمشاركة في المناسبات، لكنه يشعر بخوف شديد عند الإقدام على هذه المواقف، لذا فإن تجنب الشخص للمناسبات أو المحادثات أو بعض الأنشطة لا يعني بالضرورة أنه لا يرغب فيها، فقد يكون التجنب نفسه محاولة للهروب من الخوف المرتبط بها.

كيف يؤثر القلق الاجتماعي في حياة الشخص؟

عندما يصبح الخوف مستمرًّا يبدأ في التأثير على قرارات الشخص اليومية، فقد يتجنب حضور المناسبات، أو يتردد في التحدث داخل الدراسة أو العمل، أو يرفض فرصًا تتطلب التحدث أمام الآخرين، أو يجد صعوبة في تكوين علاقات جديدة.

ومع استمرار التجنب قد تضيق دائرة الأنشطة التي يشارك فيها الشخص، بينما يتسع تأثير القلق إلى العمل أو الدراسة أو العلاقات والحياة اليومية.

لماذا يحدث القلق الاجتماعي؟

لا يوجد سبب واحد معروف يفسر ظهور اضطراب القلق الاجتماعي، وتشير المصادر الطبية إلى احتمال ارتباطه بتداخل عوامل مختلفة، منها الاستعداد الوراثي وبعض العوامل البيئية والتجارب الحياتية، وقد ترتبط زيادة احتمالية الإصابة بوجود تاريخ عائلي لاضطرابات القلق، أو التعرض لتجارب سلبية مثل التنمر أو الرفض أو الإحراج، كما قد تلعب بعض السمات الشخصية والتجارب الاجتماعية دورًا في ظهور المشكلة لدى بعض الأشخاص.

متى يتحول القلق الاجتماعي إلى اضطراب؟

الخوف من موقف اجتماعي واحد لا يكفي لتشخيص اضطراب القلق الاجتماعي، ويأخذ التقييم الطبي في الاعتبار شدة الخوف، والمواقف التي يظهر فيها، ومدى تجنبها، وتأثير القلق في حياة الشخص، ويشترط التشخيص، وفق المعايير الطبية المعتمدة، استمرار أعراض القلق الاجتماعي لمدة 6 أشهر على الأقل مع تأثيرها في جوانب مهمة من الحياة مثل العمل أو الدراسة أو العلاقات.

متى يحتاج القلق الاجتماعي إلى مساعدة متخصص؟

يستحق الأمر تقييمًا من طبيب أو اختصاصي في الصحة النفسية عندما يصبح الخوف من المواقف الاجتماعية شديدًا أو مستمرًّا، أو عندما يبدأ الشخص في تجنب مواقف مهمة بسبب القلق، أو يؤثر ذلك بصورة واضحة في الدراسة أو العمل أو العلاقات.

كما يكون التقييم مهمًّا عندما يصعب على الشخص التعامل مع هذه المواقف رغم رغبته في المشاركة فيها، لأن التشخيص لا يعتمد على الشعور بالخجل وحده، وإنما على طبيعة الخوف واستمراره وتأثيره في الحياة.

هل يمكن علاج القلق الاجتماعي؟

نعم، هناك طرق علاجية فعَّالة لاضطراب القلق الاجتماعي، ويعتمد اختيارها على حالة الشخص واحتياجاته.

ويعتبر العلاج المعرفي السلوكي من أبرز الأساليب المستخدمة في العلاج، وقد يتضمن العمل تدريجيًّا على مواجهة المواقف التي تسبب الخوف وتعديل الأفكار المرتبطة بها، وتوصي إرشادات المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية في بريطانيا بالعلاج المعرفي السلوكي الفردي المصمم خصيصًا لاضطراب القلق الاجتماعي للبالغين، بينما قد تستخدم الأدوية في بعض الحالات وفق تقييم الطبيب.

الخلاصة:

ليس كل خجل أو توتر في التعامل مع الآخرين اضطرابًا، لكن الخوف يصبح أكثر من مجرد خجل عندما يتحول إلى قلق شديد مستمر من تقييم الآخرين، يدفع الشخص إلى تجنب المواقف الاجتماعية، أو يؤثر في دراسته أو عمله أو علاقاته.

والقلق الاجتماعي مشكلة قابلة للعلاج، لذا لا ينبغي التعامل مع استمرار الخوف وتأثيره في الشخص على أنهما مجرد طبع شخصي، خاصة عندما يمنعانه ه من ممارسة حياته بالصورة التي يريدها.

القلق الاجتماعي صورة داخلية

المراجع:

  • المعهد الوطني للصحة النفسية الأمريكي (NIMH)، Social Anxiety Disorder: What You Need to Know.

  • مايو كلينك (Mayo Clinic)، اضطراب القلق الاجتماعي الرهاب الاجتماعي، الأعراض والأسباب.

  • مايو كلينك (Mayo Clinic)، اضطراب القلق الاجتماعي الرهاب الاجتماعي، التشخيص والعلاج.

  • هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، Social anxiety social phobia.

  • المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية البريطاني (NICE)، Social anxiety disorder: recognition, assessment and treatment.

القلق الاجتماعيالرهاب الاجتماعيأعراض الرهاب الاجتماعيالفرق بين الخجل والقلق الاجتماعيعلاج القلق الاجتماعيالخوف من التحدث أمام الناساضطراب القلقالصحة النفسية
مادونا نشأت

كتابة وإعداد

مادونا نشأت

أخصائية نفسية إكلينيكية

أخصائية نفسية إكلينيكية تهتم بتبسيط الوعي النفسي وتقديم محتوى مهني يساعد القارئ على فهم حالته واتخاذ خطوة آمنة.

ليسانس آداب قسم علم النفس - جامعة حلواندبلومة متخصصة في علم النفس الإكلينيكيعضو رابطة الأخصائيين النفسيين
6 مشاهدة 0 تفاعل

قراءة تكمّل الصورة

تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.