العلاج الجدلي السلوكي: ما هو وكيف يساعد على تنظيم المشاعر؟
يساعد العلاج الجدلي السلوكي (DBT) على تنمية مهارات تنظيم المشاعر وتحمل الضغوط وتحسين العلاقات. تعرّف إلى أسسه، والحالات التي قد يفيد فيها، وكيف تُطبَّق مهاراته ضمن برنامج علاجي منظم.


محتوى توعوي يساعدك على فهم الموضوع واتخاذ خطوة أوضح، ولا يحل محل التقييم المتخصص عند الحاجة.
قد يجد بعض الأشخاص صعوبة في التعامل مع المشاعر الشديدة، مثل الغضب والخوف من الرفض والضيق النفسي، فتظهر استجابات اندفاعية أو سلوكيات مؤذية أو خلافات متكررة. وقد تستمر هذه الدائرة رغم الرغبة في التغيير وإدراك عواقب التصرفات.
العلاج الجدلي السلوكي، المعروف اختصارًا باسم DBT، هو أسلوب منظم للعلاج النفسي يهدف إلى تنمية مهارات تنظيم المشاعر وتحمل الضغوط وتحسين العلاقات والحد من السلوكيات التي تزيد المعاناة. ويجمع بين تقبّل الخبرات الحالية والعمل على تغيير السلوكيات غير المفيدة.
ما هو العلاج الجدلي السلوكي؟
طورت عالمة النفس مارشا م. لينهان العلاج الجدلي السلوكي لعلاج اضطراب الشخصية الحدية، خاصة لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبة شديدة في تنظيم المشاعر وسلوكيات إيذاء النفس المتكررة.
تعني كلمة «الجدلي» الجمع بين اتجاهين متكاملين: تقبّل الشخص لنفسه ولخبراته الحالية، والسعي في الوقت نفسه إلى تغيير السلوكيات التي تسبب له مشكلات. ولا يعني التقبّل تبرير السلوك المؤذي أو الاستسلام له، كما لا يعني التغيير إنكار المشاعر أو التقليل من شأنها.
ما الحالات التي قد يساعد فيها العلاج الجدلي السلوكي؟
وجدت مراجعة منهجية نُشرت عام 2024 وشملت 18 تجربة عشوائية بإجمالي 1755 مشاركًا، معظمهم من النساء، أن غالبية الدراسات دعمت فاعلية العلاج الجدلي السلوكي في علاج اضطراب الشخصية الحدية. وشملت النتائج تحسنًا في بعض المؤشرات، مثل الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالانتحار وإيذاء النفس والأعراض الاكتئابية والاندفاعية، مع اختلاف النتائج بين الدراسات.
وتوصي إرشادات المعهد الوطني البريطاني للتميز في الصحة والرعاية (NICE) بالنظر في برنامج متكامل للعلاج الجدلي السلوكي للنساء المصابات باضطراب الشخصية الحدية عندما يكون تقليل إيذاء النفس المتكرر أولوية علاجية. وهذه توصية محددة ضمن الإرشادات، ولا تعني حصر العلاج في النساء.
أما الأطفال والمراهقون، فتوصي إرشادات NICE بالنظر في النسخة المعدّلة للمراهقين، المعروفة باسم DBT-A، عند وجود صعوبات واضحة في تنظيم المشاعر ونوبات متكررة من إيذاء النفس. وتشير الأدلة إلى احتمال الاستفادة من هذا التدخل في تقليل تكرار إيذاء النفس بعد العلاج، مع عدم ثبوت استمرار الأثر بعد 12 شهرًا في الأدلة التي استندت إليها الإرشادات.
ولا يضمن العلاج منع إيذاء النفس أو الانتحار، كما لا تكفي صعوبة تنظيم المشاعر وحدها لتحديد التشخيص أو اختيار العلاج المناسب.
ما المهارات التي يعلّمها العلاج الجدلي السلوكي؟
يركز العلاج على أربع مجموعات أساسية من المهارات تساعد الشخص على التعامل مع مشاعره ومواقفه اليومية.
اليقظة الذهنية: الانتباه إلى اللحظة الحالية وملاحظة الأفكار والمشاعر دون التسرع في الحكم عليها أو الاستجابة لها تلقائيًا.
تنظيم المشاعر: التعرف على المشاعر وتسميتها وفهم العوامل المؤثرة فيها، ثم استخدام استراتيجيات تساعد على التعامل مع شدتها والاستجابة لها بطريقة أكثر فاعلية.
تحمل الضيق النفسي: التعامل مع المواقف المؤلمة أو الضاغطة دون اللجوء إلى سلوكيات اندفاعية قد تزيد المشكلة، مع تعلم اجتياز الأزمات بطرق أكثر أمانًا.
الفاعلية في العلاقات: التعبير عن الاحتياجات ورفض الطلبات غير المناسبة ووضع حدود واضحة، مع مراعاة احترام الذات والطرف الآخر.
وتحتاج هذه المهارات إلى التدريب والتطبيق المتكرر، فمعرفتها نظريًا لا تعني بالضرورة القدرة على استخدامها في لحظات الانفعال الشديد.

كيف يُطبّق العلاج الجدلي السلوكي؟
يتضمن البرنامج المتكامل التقليدي عادةً جلسات علاج فردية، وتدريبًا على المهارات قد يُقدَّم في مجموعات، وإرشادًا بين الجلسات عند الحاجة، واجتماعات تشاورية لفريق المعالجين. وقد تختلف مكونات البرامج المعدّلة وفق الفئة المستهدفة والاحتياجات العلاجية.
يعمل المعالج مع الشخص على تحديد السلوكيات التي تحتاج إلى تغيير، وفهم الظروف التي تسبقها والنتائج المترتبة عليها، ثم اختيار مهارات عملية لتجربتها ومراجعة أثرها. وقد يتضمن العمل تحليل تسلسل الأحداث التي أدت إلى موقف صعب، بدءًا من العوامل المهيئة والمحفزات، وصولًا إلى الأفكار والمشاعر والتصرفات والنتائج.
ولا يقتصر الهدف على تهدئة الانفعال في اللحظة نفسها، بل يشمل بناء طرق أكثر استقرارًا للتعامل مع الضغوط والتواصل مع الآخرين.
ما الفرق بين العلاج الجدلي السلوكي والعلاج المعرفي السلوكي؟
ينتمي العلاج الجدلي السلوكي إلى العلاجات النفسية ذات الجذور المعرفية السلوكية، ويشترك معها في التركيز على اكتساب المهارات وتغيير أنماط التفكير والسلوك التي تسبب المعاناة.
ويتميز العلاج الجدلي السلوكي بتركيزه المنظم على اليقظة الذهنية وتحمل الضيق وتنظيم المشاعر والفاعلية في العلاقات، مع الموازنة بين تقبّل الخبرة الحالية والسعي إلى التغيير. أما العلاج المعرفي السلوكي، فتتحدد تقنياته وفق المشكلة المستهدفة، وغالبًا ما يعمل على العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات وتعديل الأنماط غير المفيدة.
ولا يمكن القول إن أحد النهجين أفضل للجميع، فالاختيار يعتمد على طبيعة المشكلة والأدلة المتاحة واحتياجات الشخص وتقييم المختص.
متى تحتاج إلى استشارة مختص نفسي؟
قد يكون التقييم النفسي مناسبًا عندما تتكرر نوبات الانفعال الشديد، أو يصبح التحكم في الاندفاع صعبًا، أو تتأثر العلاقات والعمل والحياة اليومية، أو تظهر سلوكيات لإيذاء النفس. ولا تكفي هذه العلامات وحدها لتشخيص اضطراب نفسي أو تحديد نوع العلاج المناسب.
إذا وُجد خطر وشيك لإيذاء النفس أو الانتحار، فيجب طلب المساعدة الطارئة فورًا، مع عدم الاعتماد على جلسات العلاج وحدها لتأمين السلامة.
الأسئلة الشائعة
هل العلاج الجدلي السلوكي مناسب لكل من يعاني تقلبات المزاج؟
ليس بالضرورة. يعتمد الاختيار على تقييم طبيعة الأعراض وشدتها ومدى تأثيرها في الحياة اليومية، وعلى مدى ملاءمة أهداف العلاج ومهاراته لاحتياجات الشخص.
ما مدة العلاج الجدلي السلوكي؟
تختلف المدة بحسب البرنامج العلاجي والمشكلة المستهدفة واحتياجات الشخص. وقد يمتد البرنامج المتكامل عدة أشهر، ولا توجد مدة واحدة تناسب جميع الحالات.
هل يمكن تعلم مهارات العلاج الجدلي السلوكي دون معالج؟
يمكن الاطلاع على بعض المهارات والتدرب عليها من خلال مواد تعليمية موثوقة، لكن ذلك لا يعادل البرنامج العلاجي المتكامل. وعند وجود إيذاء للنفس أو أعراض شديدة أو تدهور في الأداء اليومي، ينبغي طلب تقييم من مختص نفسي.
هل يضمن العلاج الجدلي السلوكي منع إيذاء النفس؟
لا. قد يساعد العلاج بعض الأشخاص على تحسين تنظيم المشاعر وتقليل السلوكيات المؤذية، لكن الاستجابة تختلف بين الأفراد، ولا يضمن العلاج انعدام الخطر. وقد تحتاج الحالات المعرضة للخطر إلى تقييم مناسب وخطة أمان ومتابعة متخصصة.

المراجع
Hernandez-Bustamante, M., Cjuno, J., Hernández, R. M., & Ponce-Meza, J. C. (2024). Efficacy of dialectical behavior therapy in the treatment of borderline personality disorder: A systematic review of randomized controlled trials. Iranian Journal of Psychiatry, 19(1), 119–129. https://doi.org/10.18502/ijps.v19i1.14347
Linehan, M. M. (1993). Cognitive-behavioral treatment of borderline personality disorder. Guilford Press.
National Institute for Health and Care Excellence. (2009). Borderline personality disorder: Recognition and management (CG78). https://www.nice.org.uk/guidance/cg78
National Institute for Health and Care Excellence. (2022). Self-harm: Assessment, management and preventing recurrence (NG225). https://www.nice.org.uk/guidance/ng225

كتابة وإعداد
مادونا نشأت
أخصائية نفسية إكلينيكية
أخصائية نفسية إكلينيكية تهتم بتبسيط الوعي النفسي وتقديم محتوى مهني يساعد القارئ على فهم حالته واتخاذ خطوة آمنة.
قراءة تكمّل الصورة
مقالات مرتبطة بالموضوع
كل المقالات
الصحة النفسية5 دقائقضيق التنفس أثناء نوبة الهلع: الأسباب وطرق التعامل ومتى تحتاج إلى تقييم طبي؟
قد يسبب ضيق التنفس أثناء نوبة الهلع شعورًا بالاختناق وتسارع التنفس، ما يزيد الخوف والأعراض الجسدية. تعرّف على أسباب ضيق التنفس أثناء الهلع، وطرق التعامل معه بأمان، والعلامات التي تستدعي التقييم الطبي.
الصحة النفسية6 دقائقرفض المدرسة عند الأطفال: الأسباب والعلامات وطرق التعامل
رفض المدرسة عند الأطفال مشكلة قد ترتبط بالقلق أو التنمر أو صعوبات التعلم أو ظروف أسرية ومدرسية مؤثرة. تعرّف على أبرز الأسباب والعلامات، وكيفية مساعدة الطفل على العودة إلى المدرسة، ومتى يحتاج إلى تقييم متخصص.
الصحة النفسية6 دقائقالعلاج المعرفي السلوكي: كيف يعمل وما الحالات التي يساعد في علاجها؟
كيف يساعد العلاج المعرفي السلوكي على التعامل مع الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالمشكلات النفسية؟ تعرّف إلى آلية عمله، وأبرز الحالات التي يُستخدم فيها، والمهارات التي يتعلمها الشخص خلال العلاج.
تراجع منصة استشير المحتوى بهدف التوعية العامة. التشخيص والخطة العلاجية يحددهما مختص بعد فهم الحالة بصورة كاملة.
